مؤلم إلى حدود الوجع ما باح به «سيد حافظ» في أمسية اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الأسبوع الماضي، حينما أكد قرار اعتزاله الكتابة في المسرح المصري وعدم حضوره أي أمسية أو ندوة ثقافية، بعد أن خذله أصدقاؤه الكتّاب.

وزملاؤه الفنانون وتلامذته، قائلاً بنبرة لا تخلو من الأسى: «طلبت الجنسية من البلاد العربية فلم يجبني أحد، مع أنني أعرف تمام المعرفة أن هناك دولة وحيدة لو طلبت منها ذلك، لأرسلت لي طائرة خاصة»..؟!

فما معنى أن يفكر مبدع في اعتزال الكتابة في وطنه، بعد أن شعر أن لا أحد بجانبه يواسي وحدته ويشد من همته في أوقات الشدة، هل هو الشعور العارم بالمهانة وقلة التقدير؟ أم أننا نعيش في زمن تتحول فيه كل الأشياء الجميلة إلى تحف تذكارية لا نعرف قيمتها إلا بعد سنوات وقرون؟

وهل فكر أحد فيما يعنيه وصول مبدع إلى حدود اليأس من وطن عاش فيه، وكتب له، وأحب ترابه، وناسه، وهواءه، وكل شيء فيه، ليكتشف في لحظة واحدة فقط أن هذا الوطن قد تركه وحيداً، شريداً، يلوك معاناته وأحزانه دون أي معين.

هل هو التاريخ الذي يكرر نفسه دائماً مع أصحاب النفوس الرهيفة، الشفافة، كفراشات تتحرّق بنار عدم القدرة على التغيير ؟ قبله صرخ «الماغوط» بأعلى صوته قائلاً: «سأخون وطني» لكنه قدم لهذا الوطن عمره، وإبداعاته.

وروحه الساخرة من كل ما هو مزيف ودخيل، حتى «نزار قباني» في أحلك لحظات يأسه لم يفكر للحظة بأن يبيع وطنه ويهرول مع المهرولين إلى حافات الانتحار، بل فضَل البقاء حيث هو، مترفعاً عن كل ما هو صغير وخادع.

وإذا كان «الجاحظ» قد اعتزل الكتابة وعمل سماكاً في سوق السمك، كما اعتزل «المقريزي» السلطان «برقوق» واشتغل وراقاً، فإن حظ «السهروردي» لم يكن طيباً، بعد أو وشى به الواشون فلقي حتفه على يد «الناصر صلاح الدين».

كما لم تكن كتب «ابن رشد» محظوظة حين أحرقت، ولا عبقرية «الخيّام» الذي لا نتذكره إلا في رباعياته التي يحلو لنا أن نستمتع بها شدواً، من خلال حنجرة ذهبية أبدعت في نقل هواجس مبدعها وأسئلته القلقة التي أفضت إلى يقين واحد، لا يمكن نكران وجوده على الإطلاق.

أسماء كثيرة تطول معها قائمة من لم ينالوا ما يستحقون من اهتمام وتقدير، مقابل حفنة ممن باعوا أرواحهم للامعقول، متذرعين بحجج واهية لا مبرر لها سوى بعض النفوس الضعيفة التي تبارك هذه التصرفات الفردية، ومع ذلك بقيت الأوطان مسوَّرة بمحبة أبنائها ونورانية وجودها وخلودها، ومع أننا ندرك جميعاً أننا نعيش في زمن يسير قدماً إلى الوراء!

اختلطت به الأمور حتى كدنا نفقد التمييز بين الخطأ والصواب، لكننا بالتأكيد لا نخطأ أبداً في محبتنا وعشقنا لكل ما هو أصيل وبديع في أوطاننا، التي إن فرقتنا اليوم فإنها ستجمعنا في يوم من الأيام على الحقيقة.

وحتى لو كابرنا على أنفسنا وقلنا إن «كتبنا هي أوطاننا»، فإن هذه الكتب ستشي أننا سنبقى كما نحن، «عشاق عذريون» لأوطاننا التي ربما لن تقدم لنا كل ما نتمناه.

alomawi@albayan.ae