«فنانون في المدينة» تظاهرة فنيّة عربيّة أوروبيّة لافتة، شهدتها دمشق قبل مدة، شارك فيها اثنا عشر فناناً ينتمون إلى تسعة بلدان مختلفة، ضمن ملتقى (سمبوزيوم) لتبادل الخبرات بمشاركة عدد من طلاب كلية الفنون الجميلة بدمشق، وقد تُوج هذا المتلقى بمجموعة أعمال فنية متعددة التقانات، أخذت طريقها إلى معرض دام عشرة أيام.

المعرض والمحترف نظمته مؤسسة التبادل الثقافي في البحر المتوسط، في إطار نشاطاتها في سوريا، والمشاركون كما قدمتهم الدكتورة حنان قصاب حسن، كانوا عديدين، جاؤوا من بلادهم ليعملوا ويبدعوا في دمشق. منهم من أتى من أوروبا (فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا) ومنهم من جاء من بلاد الجنوب المشمسة (تونس والجزائر) ومنهم من يسكن منطقة شرق المتوسط (الأردن ولبنان وسوريا).

وتضيف مؤكدة: كانوا مختلفين عن بعضهم بعضاً، سواء في عمق تجربتهم الفنية، أو في مساراتهم الفنيّة، لكنهم كانوا يشكلون مجموعة متجانسة. كانوا يعملون ويتناقشون بكل اللغات، وكانوا يقررون معاً اختيار لون ما، مادة ما، أو موقع ما يعرضون فيه أعمالهم.

وحول المواد والخامات التي استخدموها في إنجاز أعمالهم، تقول د. قصاب حسن بأنها كانت: تجهيزات مشهدية وصورا ضوئية، أجواء محيطة ومنحوتات، ولوحات مرسومة بألوان الزيت أو بالإكريليك ... كانت لغاتهم الفنيّة متنوعة.

ووسائل تعبيرهم مختلفة، لكن ما يجمع هؤلاء الفنانين كان الشباب والنضارة والانفتاح على الآخر، ولذا جاءت النظرة التي يلقونها على البلد وعلى المدينة وعلى أنفسهم، نظرة حرة ومبدعة لا تقيدها الصور النمطية ولا الأفكار الجاهزة، لأنها تبحث عن لغة أصيلة وحقيقية. الفنانون المشاركون هم:

ميريم آيت الحارة التي نفذت لوحة من الزجاج والحديد والرمل، طرزتها بالنصوص المسطرة بأكثر من لغة، وتمام عزام الذي رسم شجرة لا تشبه ما هو موجود في الطبيعة، وإنما تشبه أشجار قلبه أو أحلامه. أما سامية بصبوص فقد نفذت عملها من الاسمنت والرمل والحديد.

ومع أن الرمل زائل، إلا أن سامية ترى في ذلك المفارقة، مكمن الجمال، فأجمل المدن برأيها تلك التي تركتها لنا الحضارات القديمة، وكانت مبنية في رمل الصحراء !!.

ماتيو بريان نفذ عملاً تركيبياً استوحاه من دمشق، فعندما ترك نفسه ينساق وراء الإشارات (سهم، دائرة حمراء، رقم 23) وهو مؤمن تماماً بالعلامات التي يتبعها، ولقد وجد الكثير من هذه العلامات في دمشق القديمة، ويعتقد ماتيو أن هذا ما فعله الدمشقيون عندما بنوا مدينتهم قبل آلاف السنين.

لاورا فيديريتشي نفذت عملها بألوان الزيت فوق البلاستيك، وعلاقة هذه المهندسة المعمارية بالمكان قوية للغاية، فهي تبرزه في أعمالها كما أحست به في دمشق: (فضاءً محمياً آمناً يسمح لك بأن تغنيه من خلال لعبة التعاكس بين الظل والضوء).

أما رولاند هاميلتون فقد نفذ عمله بالطباعة بعد أن أمضى وقته وهو يلعب مع الأولاد في الشارع، ليخرج بعدها بمجموعة صور رائعة لهم وهم يلعبون ويضحكون ويهرجون. ريما حمزة نفذت لوحة بألوان الزيت على القماش، ضمن رؤية تقول: عندما نبدع شيئاً ما، تتدخل كل أحاسيسنا.

وكل ذاكرتنا البصرية، وكل متاعنا الثقافي، لكن كل ذلك يمكن أن يكون لا شيء إذا لم نستطع أن نلتقط تلك اللحظة النادرة التي تنبثق فيها رغبة الرسم لتحولها إلى خطوط وأشكال وألوان على اللوحة أمامنا.

دانييل مينك نفذ عمله بوساطة المرايا، ضمن مفهوم الفن الجديد الذي يهتم بموضع المتفرج، وبحركته في الفضاء أمام العمل، وبكل التغيرات في الإدراك التي تنجم عن ذلك. أما هدى مهيري غربال فقد استخدمت وسائط متعددة في إنجاز عملها.

وهي تحب أن تستخدم ملصقات مقتلعة من الجدران كأرضيّة لأعمالها، ذلك أن آثار الصدأ التي تحملها هذه الملصقات تسمح لها أن تلامس عن قرب تأثير الزمان والمكان أيضاً. عمران يونس نفذ عمله بألوان الزيت على القماش، عبّر فيه عن إيقاعه الداخلي، رابطاً بين الألوان المدغدغة والضوء المداعب على السطوح التي تهتز فيها الظلال والانعكاسات.

في لوحة عمران يتم التضحية بالعمق لصالح السطوح التي تتغلغل بإيقاع في قتامة الظلال الملونة، وهذه اللوحة متعه حقيقية للعين وللفكر في آنٍ معاً.

فادي يازجي استخدم الحبر فوق القماش في إنجاز عمله الذي رغم اقتصاره على الأبيض والأسود، إلا أنه يراه ملوناً ومسكوناً بالأشخاص والوجوه والأجساد التي لا ظل لها. آخر المشاركين سيما زريقات التي نفذت عملها بألوان الزيت على القماش، والتوجه الفني لسيما يدل على العودة إلى نوع من الروحانيّة النقية والعميقة التي لا يخطئ بها أحد.

محمود شاهين