استضاف بيت الشعر الدكتور علي بن تميم «أبو القاسم» ضمن لقاء مفتوح للشعر والنقد في النادي الثقافي العربي مساء أول من أمس، بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وعدد من الشعراء والمثقفين والإعلاميين.
واستهل د. علي اللقاء بمداخلة نقدية عن قيمة الصمت في الدراسات ما بعد البنيوية، من خلال ثلاثة محاور رئيسية: الصمت في التفكيكية، الصمت في النسوية، والصمت فيما بعد الكولونيالية..
مستشهداً بتجارب عالمية ومحلية، متكئاً على آراء باحثين ونقاد ومفكرين، مثل رولان بادت، إيف بوتفوا، نيلسون غارنر، ترايز يامامتو، لويس عوض، ادونيس، ادوارد سعيد، وإيهاب حسن، وغيرهم.
وأوضح د. تميم ان الصمت في التفكيكية هو تأمل الوجود وقراءة العالم من أجل توسيع إمكانات التأويل في القراءة والكتابة، وهو تحد للقراءة، وهو على هذا الأساس محاولة لتخطي محدودية النص إلى العالم المفتوح المليء بالخبرات المسؤولة عن تثبيت حياة جديدة للنص.
ولذلك يقترح نهاية للقراءة، لان القراءة الحقة هي شكل من التمزق أو نقل أعيننا عن الصفحة، وبهذا فالصمت أو التوقف عن الكتابة حالة مهمة بالنسبة إلى الكاتب أو القارئ لانه يزيد امكانات التأويل، والقارئ المبدع حينما يتوقف أو يصمت يزيد من خبرته ومعرفته بتأمل العالم.
وفيما يخص الصمت والنسوية، اشار د. علي بن تميم إلى كسر الصمت كجزء من تقليد نسوي، بعدما استعرض تاريخ الكتابة المبني على الذكورية ومحاولاته ليقف حائلاً أمام كلام المرأة، حيث الصمت فضيلة للأنثى مستشهداً ببوست بول وحديثه عن علاقة صمت المرأة بالطقوس الدينية، مما جعل الكلام فعلاً من التوكيد أو الاصرار على الحق.
وبذلك صار كسر الصمت من هذا المنطلق بمثابة خبرة عصية، وتحول عند كثير من الكتابات النسوية إلى قيمة مركزية.. وانطلاقاً من قصة الكاتبة الإماراتية إبتسام المعلا «يوم أطول من نفسه» تساءل د. علي:
هل يحدث للمبدع في دولة الإمارات ما حدث لشخصية الراوية في القصة، إذ تصحو من النوم صباحاً، فتجد نفسها قد فقدت صوتها، فتعيش مهددة تبحث عنه، وتحنّ حنيناً مفرطاً للحصول عليه من جديد؟ هل المبدع واقع خارج الإكراهات، وهل له دور؟
هل هناك فسحة للكتابة في ظل السخف المتزايد يوماً بعد يوم؟
وفي محور المداخلة الثالث، الصمت وما بعد الكولونيالية، تناول د. أبو القاسم تجربة الكاتبة اليابانية الأميركية «ترايز يامامتو» مع الصمت في ظل انشطار خطابها بين ثقافتين.. وتجربة المفكر د. ادوارد سعيد عبر مشكلة الاسم في سيرته خارج المكان.
وعلاقة المفكر بالصمت المختلف في الواقع داخل الكتابة وخارجها، فبين الكلام والصمت رغبة لم تُقل، وبينهما خصال وزوايا متشابكة ومرتبطة بمحاولة الكلام عن الاختلاف في الثقافة والتاريخ، وبذلك فالصمت لا يعني السلبية، لأن هناك مبررات تدفع الآخرين إلى أن يكونوا بعيداً عن المبدع. ويفسر هذا بالنظر إلى الفراغ الحادث في الفهم.
وبذلك فالصمت جزء من الكلام، وهو عادة ووقاية، وهذا يعني أيضاً أن الصمت يعطي المبدع القدرة على أن يظهر بمظهر جديد، ولا تقل قوته عن قوة الكتابة، فإذا كانت الكتابة تسمية وتشكيلاً للكلمات، فإن الصمت يبدو وفق ذلك قادراً على أن يسمي ويشكل.
وتطرق د. علي أيضاً إلى تجربة أدونيس وتجربة أحمد شمس الدين الحجاجي، مقارناً بين التجربتين من حيث علاقتهما بالصمت، وكيف تحول الصمت إلى توقف عن الكتابة عند الحجاجي، وتحول إلى تحد عند ادونيس، فقد تجلى قلق التأثر في نظرة الحجاجي إلى نجيب محفوظ قمعاً للكتابة، بينما عند أدونيس فجاء تحدياً في قصيدة فارس الكلمات الغريبة:
إنه الريح لا ترجع القهقري، والماء لا يعود إلى منبعه، يخلق نوعه بداء نفسه، لا أسلاف له، وفي خطوته جذوره، يمشي في الهاوية، وله قامة الريح. وفي ختام اللقاء الذي أداره طلال سالم مشرف بيت الشعر قدم د. علي مجموعة من قصائده، في أغلبها تناول شعري لعلاقته بالصمت، ومفهومه لكسره من جوانب متعددة، وبرؤية مختلفة، ومن أجواء تلك القصائد:
كيف أكسر صمتي ـ واخترق الشعر طهراً ـ وما مسّني دنسُ؟ ـ كيف أكسر صمتي وشيطاني ذكر ـ وعاطفتي قدس ـ كيف أكسر صمتي إذاً ـ فلا فتنة للغواية.. ولا هوس؟
محمود أبو حامد
