للعروض الفنية موسيقية أو مسرحية، طقوس وتقاليد عريقة عرفتها الشعوب المتحضرة، وأصبحت بديهية في أي عرض مسرحي أو موسيقي حي، ولا بد أن نستثني حفلات الجماهير الغفيرة التي ترقص وتصرخ بهستيريا قبل بدء المطرب أو المطربة، هذه أسميها عروض الفوضى الغنائية.
حفلات أم كلثوم ليس فيها مثل هذا الضجيج والصفير، كان الجمهور يحبس أنفاسه مستمعاً للمقطع بأكمله، ثم ينفجر مصفقاً إعجاباً وما أن يبدأ العزف مرة أخرى حتى ينصت الجميع لأداء وحساسية وعبقرية أم كلثوم.
يوسف العاني وفرقة المسرح الفني الحديث في بغداد كانوا يمنعون التصفيق والتعليق خلال العرض المسرحي، لأنه يخل بوحدة المسرحية وإتقان الممثل، ويقطع حبال التوصيل بين المرسل والمتلقي، وبين الشخصية والممثل.
الحفلات الموسيقية الكلاسيكية هي الأكثر تأثراً وتحسساً بين كل الفنون الأخرى بما في ذلك الطرب والتطريب، وقد انتشرت هذه الحفلات في السنوات الأخيرة في الإمارات، وتوسعت قاعدة عروضها وأشكالها وفرقها، مما يعطي صورة جديدة وحضارية لبلدنا،
وبدأ الجمهور يتفهم هذه الكلاسيكيات ويستجيب لها بشكل ملفت للأنظار لم يكن أحد يتوقعه مما شجع العديد من المؤسسات الثقافية لتركز على هذه الفعالية الناجحة، إلا أن نفراً قليلاً ممن يحضر هذه الحفلات لا يدرك أهمية وحساسية الإنصات والحفاظ على أجواء خاصة قد يبدو لبعضهم مبالغا بها،
والواقع أن هذه الحفلات الموسيقية الكلاسيكية لا تنجح إلا بتكريس مفاهيم وتقاليد وأخلاق خاصة يتعامل بها المشاهد مع حساسية وطبيعة هذه الموسيقى التي تحتاج إلى إنصات تام، وعدم حركة ولو طفيفة،
بل وتحتاج إلى جمهور يقدس هذه الساعة التي يقضيها في رحاب عوالم الموسيقى الكلاسيكية، لباخ، وجايكوفسكي، وموزارت، وبيتهوفن.. وغيرهم، إلا أن الذي يحدث عجيب وغريب.
ـ امرأة تصطحب رضيعها، وما أن تبدأ الموسيقى حتى يعزف الرضيع صراخاً وبكاءً وتصر الأم على البقاء رغم كل ردود فعل الآخرين.
ـ الهواتف النقالة التي لا تكف عن الرنين، وما يأتي بعد ذلك من رد على الهاتف، أو قيام صاحب الهاتف والإسراع للخروج وهو يتكلم في هاتفه.
ـ أما ما يثيرني أكثر، الزملاء، مصورو الصحف بكاميراتهم وأصواتهم، ولمعان «الفلاش»، بل وإصرارهم على الصعود على خشبة المسرح ومزاحمة العازفين في أماكن عملهم،
وعنادهم في الإصرار على القيام بكل هذه الإزعاجات تحت ستار الواجب المهني، وهنا أناشد رؤساء تحرير الصحف أن يعمموا على مصوريهم بضرورة الالتزام بقواعد وأخلاق العروض والتقاليد المتبعة.
ـ مصورو التلفزيون حكاية أخرى وهم يجوبون بكاميراتهم الكبيرة وما يلحقها من عمال الإنارة والصوت الذين يتبعون المصور الجوال، دون الاهتمام لا بالموسيقى ولا بالعزف ولا حتى بالجمهور الذي يتضايق من الإضاءة المباشرة الصادرة من أجهزتهم من فوق الخشبة، فما بال العازف المسكين الذي يضيع بين الإرباك وإزعاجات الضوء، وصوت الكاميرا، وتوجهات المصور، وحركة العمال؟.
من هنا أوجه ندائي إلى إدارات الصحف والتلفزيونات بضرورة إلزام منتسبيهم بالضوابط والتعليمات المعروفة التي أصبحت بديهيات، كما أهيب بكل المنظمين لهذه الحفلات أن يمنعوا أصحاب الهواتف النقالة من عدم استعمال هواتفهم وإغلاقها، أو تأمينها لدى إدارة المسرح إلى أن ينتهي العرض،
كما تفعل فيروز في حفلاتها، وكذلك عدم إدخال أي طفل مهما كانت الأسباب وحتى لو أضطررنا لحرمان العائلة من الدخول، ومنع المصورين من استعمال الفلاشات أو الصعود على الخشبة بوضع موانع على سلالم المسرح الجانبية.
دعونا نركز على خلق تقاليدنا الحضارية ونحترم الفن والفنانين، لنستكمل الصورة الجميلة لهذه الفعاليات، ولنتمتع بما يقدمون لنا من إبداع.
abdulelah_q@hotmail.com