ـ 1-

يألف الإنسان أمكنة ومطارح، أمضى فيها جانبا من حياته المتأرجحة بين تلاوين يتداخل فيها، الأبيض بالأسود، والفرح بالكآبة، والغنى بالفقر، والحب بالكره، والانطلاق بالانغلاق، والتعاسة بالسعادة...

وغيرها من الأحاسيس والعواطف الدائمة التحوّل والتبدّل، في حياة الكائن البشري، تبعاً للمراحل العمريّة، والوضعيّة الاجتماعيّة، والحالة الماديّة والعاطفية التي يحياها. بعض هذه الأمكنة والمطارح، يغادر الذاكرة والروح، وبعضها الآخر، يترسخ ليصبح جزءاً أساساً من كيان الإنسان المادي والروحي.

ـ 2 ـ

مسقط رأس الإنسان (وبغض النظر عما تلبسه فيه من حالات سلبية وإيجابيّة) يبقى أحب الأمكنة، وأغلاها، وأجملها لديه، كونه الحيز الذي رأى فيه النور لأول مرة، وشهد تكونه الأول، وتنامت واكتملت فيه بنيته الجسديّة والفكرية والعاطفية.

ـ 3 ـ

(مصياف) مسقط رأسي الذي عشت فيها، وبشكل متواصل، حتى العام 1968، حيث غادرتها لأول مرة إلى دمشق، لمتابعة دراستي الجامعية. كانت (مصياف) عشقي البكر النقي، والرحم الحنون الذي احتضن مرحلة طفولتي ويفاعتي وتكوّني الأول الذي تلوّن بعشق الطبيعة، والبساطة، والموسيقى، وسحر الحرف المطبوع الذي لا يضاهيه سحر.

شكلت (مصياف) المكوّن الرئيس لذاكرتي البصريّة، أعقبتها (دمشق) ثم (دريسدن) في ألمانيا، حيث أمضيت فيها قرابة خمسة أعوام دراسيّة.

ـ 4 ـ

في (مصياف) تعرفت على النطفة الأولى من السعادة النقية، والفرح الأبيض، والحنان الصافي، والتعب ـ السعيد. فيها تشربت روحي ألفة الأهل، وحب الأرض، وحركة الفصول وتبدلاتها. وفيها تعرفت إلى كتاب الكون المليء بالأسرار والتساؤلات التي تبدأ مع بدايات الوعي الأولى ، وتنتهي بانتهاء دورة الدم في العروق.

(دمشق) بالنسبة لي، كانت ذروة النضال على جبهات العيش، وبناء الذات معرفياً ومادياً، والتأسيس لقاعدة المستقبل. أما (دريسدن) فقد وضعت اللمسات الأخيرة، لملامح هذه المستقبل.

ـ 5 ـ

خلال الزمن الممتد من عام 1968 وحتى اليوم، لم أنقطع أبداً عن التواصل مع (مصياف) بهذا الشكل أو ذاك، ما جعلها دائمة الحضور والتوهج في العقل والروح، ولأنني رأيت وعشت وعشقت المدن والبلدات المنظمة، النظيفة، المرتبة، الجميلة، المكتفية الحاجات والخدمات، الأنيقة إنساناً ومرفقاً، المتكاملة فناً وثقافة وحضارة، أصبحت هاجسي الذي ما زال يسكنني بقوة، منذ عودتي من ألمانيا أواخر عام 1981.

منذ هذا العام وحتى اليوم، وأنا أنادي عبر أكثر من منبر إعلامي محلي وعربي بضرورة تنظيم وتجميل وترتيب مدننا وبلداتنا وقرانا، عبر العمارة المدروسة في شكلها وغاياتها، وربطها بالفنون التشكيلية والتطبيقية، وفي طليعتها النحت والتصوير الجداري، ولوحات الإعلان، ومناهل المياه، وضرورة تنظيم الآرمات، والأكشاك، والساحات، ومداخل المدن... الخ.

ـ 6 ـ

رغم ذلك، يُصر بعض مسؤولي هذه المدن والبلدات على تكريس البشاعة المعماريّة، واغتيال المظاهر التراثية والأثريّة، والتقاعس المتعمد، في إنجاز المرافق الخدميّة، وفق القواعد والأصول العلميّة والفنيّة والحضاريّة المطلوبة، مع أن ما يُرصد لها من أموال، يغطي هذه الجوانب ويزيد؟!!

هذا الوضع من الإهمال العجيب ـ الغريب، الذي تعيشه مدننا وبلداتنا يقابله وضع آخر، هو قيام مسؤولين كثر، خرجوا منها، وجميعهم طوروا منجزاتهم الشخصيّة، وتغاضوا بازدراء، عن المنجزات التي تفيد الناس، وترفع من سوية مدينتهم، الخدميّة، والجماليّة، والسياحيّة... وتالياً الاجتماعية!!.

وإذا كانت هذه المهمة ليست مهمة المسؤولين المتنفذين الذين خرجوا من هذه المدينة أو تلك، وإنما مهمة الدولة، فلماذا هذا التعمد باختيار الكسولين، والانتهازيين، والفاسدين والمفسدين، لإدارة هذه المدن والبلدات، بمرافقها المختلفة؟!!.

ترى أما آن الأوان، لأن يأخذ الرجل المناسب. طريقه إلى المكان المناسب ؟ وإلى متى ستبقى (المحسوبية والقبيلة والعلاقات الخاصة) تطرد (الكفاءة الحقيقية الغيورة على مصلحة الناس والوطن) من ركائز عملية اختيار المسؤولين، لهذا الموقع أو ذاك ؟