سعياً لتأصيل تخليد إبداعات الراحلين، وتسليط الضوء على جوانب مهمة من حياتهم وأعمالهم، وإعادة الاعتبار لهم في عيون الأجيال القادمة.. يؤسس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لتقليد ثقافي لافت من خلال تكريس أيام لذكرى أحد الأدباء الراحلين.

بدأها بالمثقف الموسوعي علي أحمد باكثير ضمن ملتقى افتتح فعالياته عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة أول من أمس في النادي الثقافي العربي، بحضور القنصل اليمني سالم بالفقيه.

وأعضاء مجلس إدارة اتحاد الكتاب وعدد من المثقفين والإعلاميين، ضمت فعاليات اليوم الأول معرضاً لأعمال باكثير الروائية والشعرية والمسرحية، وكتباً لما قيل عنه، وما يمثل في نظر مجايليه، إضافة لصور شخصية تعرف المشاهد على مراحل من حياة الشاعر وأسرته ومعارفه.

كما ضمت الفعاليات حلقة تلفزيونية تتناول المحطات التي مر فيها الشاعر بدءا من حضرموت، مروراً بعدن والحجاز وانتهاء بمصر التي استقر فيها. وتعتمد الحلقة على حوارية شعرية تستند إلى استحضار الشاعر باكثير عبر احد الممثلين وتناول بعض القضايا المتعلقة بحياته من خلال إثارة أسئلة تكون إجاباتها من أشعار باكثير والحلقة من إعداد رعد أمان، وتمثيل محمد جمال، واخراج محمد علو.

اليوم الثاني اشتملت فعالياته الصباحية على ندوة فكرية افتتحها إبراهيم مبارك بكلمة الاتحاد، رحب فيها بالحضور وتحدث عن موسوعية باكثير ودور الاتحاد في تكريس ذكراه..

أدارت الندوة باسمة يونس واحتوت على ثلاث أوراق، كانت الأولى لعبد الحكيم الزبيدي صاحب الموقع الخاص بالشاعر باكثير، تحدث فيها عن فكرة ظهور الموقع، ولماذا اختار باكثير دون غيره، وتطرق للصفات التي ميزت باكثير كأديب عربي إسلامي متعدد المواهب وصاحب رسالة، مؤكداً أن الشاعر رغم الظروف المتردية التي عاشتها الأمة العربية.

وتناولها باكثير في أعماله، إلا انه ظل متفائلا بقدرة الأمة على الانتصار والخروج من المأساة، ففي ثلاث من المسرحات التي كتبها عن القضية الفلسطينية، تنتهي دولة إسرائيل ويعود اليهود إلى البلاد التي قدموا منها، ماعدا مسرحية «التوراة الضائعة» التي كتبها عقب النكسة لم تنته دولة إسرائيل، ولكن ظهرت الحركة الفدائية.

ولا يكتفي باكثير في مسرحياته وأعماله بمجرد تصوير الواقع أو الرمز إليه بل يحاول أن يضع الحلول المناسبة والناجعة لعلاج المشكلات التي يتناولها.

وما يميز الشاعر باكثير عن أدباء جيله ـ يضيف الزبيدي ـ نفاذ البصيرة، والنظرة الثاقبة للواقع التي تجعله يستطلع أحداث المستقبل، فهو الوحيد الذي توسل بالملهاة الجادة في عرض القضايا السياسية، اضافة لقدرته على التشويق وبراعته في الحوار.

ورأى الزبيدي ان التنوع والتنقل عبر المكان جعلا باكثير يترفع عن الإقليمية الضيقة، ويشعر بالانتماء إلى كل الأقطار العربية والإسلامية، وقد انعكس ذلك على أدبه، فكتب عن اندونيسيا مسرحيته «عودة الفردوس» وعن حضرموت مسرحية «همام» ومسرحيته «عاشق من حضرموت» التي أدركته الوفاة قبل يتمها.

الورقة الثانية للدكتور شهاب غانم، تحدث فيها عن ذكريات من أيام المدرسة المتوسطة تتعلق بأعمال الأديب باكثير وكيف كانت علاقة المدرسين والطلبة بها.. وذكريات عن لقائه بالشاعر باكثير في عدن، ومن ثم تحدث عن باكثير والانتماء، موضحاً انه يحق لليمن وبالذات حضرموت أن تقول إن باكثير ينتمي إليها، فهو حضرمي الوالد والنشأة، ويحق لمصر أن تقول انه ينتمي إليها، فالمرء حيث ثبت وليس حيث نبت وفي مصر طارت شهرته ونال الجوائز الأدبية وبعضها من عبدالناصر نفسه.

ويتساءل د. شهاب في جانب من ورقته: هل ظلم باكثير؟

يقول الاديب الروائي الكبير نجيب محفوظ وكان في وقت من الأوقات يشاركه نفس المكتب في احدى الدوائر الحكومية، أنهما ظهرا معا واشتركا في جائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية عن روايتهما رادوبيس وسلامة القس ويرى أن باكثير أديب عظيم ولكنه مسرحي أكثر منه روائي.

ويرى أن باكثير لم يظلم رغم صيحته في الصحف قبل وفاته «لقد ذبحوني» ويقول: (كيف ظلم؟ انه كروائي نشرت أعماله وما يصلح منها للسينما تم تقديمه وهو كمسرحي تم تمثيل الكثير من أعماله المسرحية في حياته وبعد مماته، أما إذا مات وفي ذهنه شيء لم يتم في حياته فهذا ليس ظلما ولكنها إرادة الله).

ـ يضيف د. شهاب ـ ولا أدري كيف يجهل نجيب محفوظ ذلك الظلم الذي كتب عنه كثير من الأدباء المصريين والعرب المنصفين فالصرخة (لقد ذبحوني) التي أطلقها باكثير وهو الرجل المتواضع الصبور لم تكن إلا بسبب التعتيم الذي عانى منه من المتأدلجيين أو الحقادين بسبب اتجاهه الإسلامي والعروبي والذين وقفوا ضد تقديم أعماله على المسرح ونشر كتبه. بل إن بعض كتبه نشرت ولم تغادر المخازن.

الورقة الثالثة قدمها د. عمر عبدالعزيز تحدث فيها عن إسهامات باكثير في السرد العربي، موضحا أن السير الوجودية الإبداعية للأسماء لا يمكن قراءتها خارج نطاق الزمان والمكان، ومعارج الرؤية والنظرة للأحوال المتغيرة حتى إن الواحد منهم يصل الأزمنة بالأزمنة ويقرأ الأمكنة بالأمكنة، فيعيش الدهر على تقلباته ونواميسه الوصية على المحاصرة.

وفيما يخص إسهامات باكثير في السرد، يقول د. عمر عبدالعزيز: باكثير الذي صانع في تنويعات الكتابة والبيان، وأسهم في البديع وجماليات النص تكاثرت عليه الهموم، وتمازجت عنده الرؤية بالتوترات الداخلية، وكانت روحه الوثابة وأخلاقه الحميدة وسيلته المثلى للتصالح مع الذات والمجتمع.

هذا ما يعرفه عنه مجايلوه وأصحابه، فقد كان الرجل سادرا في الترحال مع عبرة التاريخ وغرائب الجغرافيا، ورأى أن خير وسيلة لاستقراء ما كان، إنما يكمن في شهادة ما هو حادث وحاصل، فكأن الدهر يعيد إنتاج نفسه بطريقة ملهاوية مأساوية، وكأن نصه الحامل للزمان والمكان، وما يجتازهما إلى برازخ وقوانين لا تعترف بفيزيائية الأزمنة، وثبات الأمكنة.

فجاءت رواياته تعبيرا عن دهور التحول والتوق والأماني، ومنها سنختار نموذجين للتدليل:

الأول الفارس الجميل، والثاني الثائر الأحمر، حيث اعتمد في الفارس الجميل فكرة الاختزال الشديد والسرد الواضح الموشى بالنصوص التاريخية واستعارة لغة الزمان والمكان، إيماء إلى طريقة التعبير عند العرب في عصر الدولة الأموية، وقد استطاع باكثير في هذه الرواية المختصرة تصوير البيئة السياسية والاجتماعية التي ترافقت مع الصراع المحموم بين بيوتات الحكم العربي.

النموذج الثاني الثائر الأحمر، استخدم باكثير منهجا مغايرا في بناء رواية طويلة تمتد على 320 صفحة، وذلك كان ديدنه في التأليف، فقد عرف عنه المغايرة الأسلوبية والبنائية في إشارة دالة على ثقافته الدرامية الواسعة.

ويتابع الدكتور عبدالعزيز في تفاصيل إضافات باكثير السردية ويستشهد بأمثلة مقارنة مع كتاب معاصرين أمثال هنري ميلر وماركيز وإبراهيم الكوني وغوغول وغيرهم إلى أن يختم مداخلته بقوله عن باكثير: علي أحمد باكثير الذي خرج من منظومة ثقافية ومعرفية متنوعة بوصفه شاعراً روائيا، ومسرحيا، كان أيضا مثقفا موسوعيا في الآداب العربية والانجليزية.

ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة إلى محولاته المبكرة في استخراج منظومة موسيقى متجددة في الشعر العربي، وذلك عطفا على قراءاته للشعر الانجليزي، كما تكفي الإشارة للبنى «المتفارقة ـ المتواصلة» في أعماله السردية والمسرحية والتي تكشف عن إبحار حقيقي في العوامل الماورائية، ليس فقط لأنه مسلم موحد يؤمن بالغيب كمرجعية سابقة على الإدراك، بل أيضا لأنه صاحب خيال موصول بإدراك ومعرفة بفلسفة التاريخ.

ولهذا السبب فإن إبداع باكثير السردي ينتمي إلى المستقبل بامتياز، وهذا ما أدركه الراحل في حياته عندما قال مرة: إن ملحمة عمر بن الخطاب سيتم إنتاجها يوما، وقد قال ذلك لأنه يدرك أن أكبر صعوبة وقفت أمام إنتاج ذلك العمل الكبير يرجع إلى الفتوى الخاصة بتحريم ظهور الصحابة وتشخيصهم في التمثيل.