شهدت مدينة براغ مؤخراً وقائع المعرض الدولي للكتاب الذي تم التركيز خلاله هذا العام على الأدب في جمهورية ليتوانيا، وشارك فيه عشرات من الكتاب التشيك والأوروبيين على اختلاف ميولهم الفكرية والأدبية.
ولعلّ أبرز ما ميّز المعرض الأخير هو إطلاق كتاب جديد للرئيس التشيكي الأسبق فاتسلاف هافل حمل عنوان «باختصار رجاء»، معلنا بذلك عودته إلى أوساط المثقفين والكتّاب التي انطلق منها أصلا لقيادة الثورة المخملية في العام 1989 ومن ثم ليتولى رئاسة تشيكوسلوفاكيا ولاحقا تشيكيا المستقلة.
الكتاب الجديد لهافل أثار اهتماما ملحوظا بين النقاد، بدا من تهافت القراء على شرائه خلال المعرض الأخير لاحتمال تحقيقه انتشارا واسعا على الساحة المحلية. يقع الكتاب (باللغة التشيكية) في مئتين وخمسين صفحة من الحجم الوسط ويسرد بلغة هادئة التجربة الشخصية للرئيس السابق خلال العشرين عاما الماضية.
وبالتالي فإن القارئ لا يجد فيه أفكاراً جديدة بل إعادة للمواقف التي سبق لهافل أن عبّر عنها خلال توليه سدة الرئاسة حيال كثير من الأمور السياسية المحلية وغيرها. ويحاول هافل في الكتاب إجراء نوع من المراجعة الذاتية لطريقة تعاطيه مع بعض الملفات السياسية أو الاقتصادية، فيشير بأنه كان من الأجدر به أن يعتمد أكثر على نفسه بدلاً من مستشاريه الذين كانوا يحيطون به.
ومثلما كان متوقعاً هنا في براغ فإن هافل لم يتجنب الإضاءة على بعض الخلافات التي كانت تميّز علاقته مع سياسيين آخرين مثل رئيس الوزراء فاتسلاف كلاوس (رئيس الجمهورية الحالي)، فيشير بوضوح بأن الأخير وحزبه اضطرا لدعم ترشيحه لمنصب رئاسة الجمهورية لأن ذلك كان بكل بساطة أمراً مطلوباً ويحظى بشبه إجماع على الساحة السياسية والشعبية.
وفي الندوة التي جمعته في المعرض الأخير مع محبيه توقع هافل «أن يثير الكتاب ردود فعل ناقدة بين الأوساط السياسية التي تناولها بشكل سلبي، وأن هؤلاء ربما يحشدون الآن قواهم من أجل الرد عليه».
لقد نشأ الكتاب الأخير كحوار بين هافل والكاتب الصحافي التشيكي المعروف كاريل هفيجدالا، بحيث صاغ الأخير عشرات الأسئلة التي رد عليها هافل خلال فترة نقاهة أمضاها في الولايات المتحدة الأميركية وبالتحديد في المكتبة التابعة للكونغرس الأميركي.
في هذا السياق كشف هافل في الندوة بأن «المكتبة المذكورة منحته غرفة خاصة للاطلاع على كل ما يرغب من الكتب والوثائق ، ولكنه كان مجبرا مثل غيره من الزوار أن يغادر المكتبة عند الساعة السادسة مساء وإلا أغلق الموظفون عليه باب الغرفة بالمفتاح».
تبدأ وقائع الكتاب (أو الأسئلة والأجوبة) في منتصف الثمانينات من القرن الماضي عندما بدأت مرحلة التحول الديمقراطي في الأنظمة الاشتراكية السابقة بأشكال مختلفة دون أن يؤدي ذلك للإطاحة بها.
ومن ثم ينتقل الكاتب إلى حياته الخاصة المرتبطة بتفاصيل النضال أو الاختلاف مع النظام الشيوعي، فيسرد مقتطفات من حياته مع زوجته الأولى أولغا، رفيقة دربه أثناء القمع والسجن الذي تعرض له بسبب مواقفه، فيكتب في هذا السياق متحدثا عن فترة حرجة من تاريخهما المشترك عندما تبين بأنها تعاني من مرض خطير سيؤدي لوفاتها «بأنها طلبت منه أن يتزوج من امرأة ثانية لأنه لن يكون قادرا على العيش لوحده، وهذا أمر يعترف به، ولذلك قرر الارتباط بزوجته الثانية، داغمار، الممثلة المعروفة التي عادت مؤخرا إلى خشبة المسرح».
لقد شكّلت هذه المرحلة من حياة هافل فصلا فريدا من نوعه بحيث أن المواطنين التشيك لم يتمكنوا في البداية من قبول داغمار إلى جانب هافل لأنهم كانوا يقارنونها دائما بالسيدة الأولى ، في حين كان هافل يطلب منهم دائما النظر إليه كإنسان عادي لديه الشعور والأحاسيس مثل أي شخص آخر.
هافل لا يخفي توتره من ردة الفعل التي سيثيرها الكتاب، ويقول في هذا السياق «بأنه كان دائما يتخفى في أعماله السابقة وراء شخصيات المسرحيات التي يكتبها ، أو أنه كان يضطر في حياته العملية للتعبير بشكل دبلوماسي، ولكن هذا الكتاب هو صريح جدا».
براغ ـ حسن عز الدين: