قدمت فرقة مسرح وسينماتيك القصبة عرضاً مسرحياً بعنوان «حي من فلسطين ـ قصص تحت الاحتلال» على مسرح قصر الثقافة في الشارقة أول من أمس، بحضور عبدالله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام، وسليم أبو سلطان قنصل عام فلسطين وعدد من المسرحيين والإعلاميين وحشد من الجاليات العربية.
تحكي المسرحية عن واقع الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال من خلال مجموعة مشاهد تحاول أن تؤسس لفهم آخر لعملية الصراع، ولنظرة جديدة لكيفية معاناة الفلسطيني، بعيداً عن الشعارات والمباشرة، وذلك بتسليط الضوء على أبسط حقوقه كإنسان وأعقد إشكاليات معرفته وحياته في أجواء تغلب عليها «الفنتازيا» .
ويسودها التهكم، مما يثير أسئلة محيرة عن ما مدى صلاحية الكوميديا السوداء للتعبير عن كل المفاهيم أو كل المواقف من أبسط أحلام الطفولة إلى أبشع حالات الفزع وأقسى درجات الحزن، من الماضي إلى الحاضر، وبين الموت أو الشهادة والهروب نحو الحياة.
لقد ساهم تنوع المشاهد في إضفاء إيقاعات متباينة، ليس من حيث برودتها وحرارتها، بل من حيث عمقها ومرجعياتها، وان كان القاسم المشترك بينها هو صورة الفلسطيني في وسائل الإعلام، إلا أن الممثل حين يكتب نصه ويخرجه يحتاج إلى مرآة أخرى ليتمكن من تحديد منطقية طرحه واقترابه وابتعاده عن الجمهور، بقدر التصاقه بذاته.
وخاصة أن أغلب المشاهد اعتمدت على المينودراما، وجاءت تخييلية في أغلبها بشكل لم يمنح للوقائعية فعلاً مسرحياً إلا من خلال وجود الممثلين على الخشبة، وبعض الحوارات المكملة للمنولوج أو الرابطة بين مشهد وآخر..
وربما هذا ما منح العرض بعداً تجريبياً وما أعطى للفرقة طزاجتها وتميزها، وخاصة ان العفوية والارتجالية في التقاط اليوميات وتحويلها إلى مشاهد مسرحية، قابلها فهم عميق لعلاقة الذات بالآخر، واحترامه لمفاهيمه وتقدير ذكائه، ونلاحظ ذلك من خلال نهايات المشاهد المفتوحة، وحيادية تبني فلسفات الحياة الخاصة والعامة بمفهوم الحياة والموت والخلط بين الحلم والواقع والحاضر والماضي..
ولقد ساهمت بساطة الديكور بمواده من جهة وتعقيدها في دلالاته من جهة ثانية في إعطاء هذه المعادلة بعداً إضافياً، فأكوام الجرائد التي مثلت مكان إقامة الممثلين وأدواتهم وحركتهم تربع في فضائها «فزاعة طيور» كسلطة «للميديا» تبدأ المسرحية باتجاه الممثلين لها..
ومن ثم المشهد الأول «في الطريق إلى البيت» الذي يثير أسئلة محيرة عن الغاية والوسيلة، وبالتالي ما هي أولويات الفلسطيني بعد التغيرات والمستجدات التي طرأت على واقعه من الانتفاضة إلى حمامة أوسلو ... وأسئلة عن الماضي وعن أحلام الطفولة والحصار والمعابر والحب والأحلام والشهادة والخوف والفزع.
. أسئلة تحاول أن تضع العالم أمام معاناة الشعب الفلسطيني دون الإشارة حتى إلى كلمة «إسرائيل» إنها تجربة تثير الدهشة والألم وتترك عند المشاهد ندية جديدة.. لكنها تترك أيضاً أسئلة مغايرة عن الدرجة التي يصل فيها انتقاد الواقع إلى جلد الذات.
طقوس الشهادة
يقول عبدالله الجعبة المدير الفني للفرقة: كان السؤال الذي فرض نفسه علينا مع بداية انتفاضة الأقصى، كيف يمكننا كفنانين مسرحيين أن نشارك في الحدث ونعبر عنه بأدواتنا الفنية؟ ومع تسارع الأحداث الدرامية أصبحت طقوس الشهادة حدثا يوميا.
وغدت الحاجة أكبر لخلق العمل الفني الذي يستجيب للحدث، ويخاطب جمهورنا الغارق بكافة أشكال وأبعاد الصراع اليومي مع الاحتلال، وبات ملحاً الإجابة عن السؤال حول دور الفن والفنان في هذه المرحلة؟
كانت إجابتنا في مسرح القصبة عبر العمل على تطوير عرض مسرحي تجريبي يمثل جوانب حياتنا اليومية من خلال مجموعة من المشاهد المسرحية والمونولوجات الشخصية، إضافة إلى الرقص والموسيقى. لم يكن لدينا في البداية أي تصور حول مدى تفاعل الجمهور مع مثل هذا العرض المسرحي.
وكان التخوف من ان الجمهور لن يحضر إلى المسرح في ظل القصف اليومي لمدينة رام الله، وخلافا لكل التوقعات امتلأت جميع مقاعد المسرح، وكان تجاوب الجمهور رائعاً مما شجعنا لتطوير عرض مسرحي جديد أسبوعي بشهر واحد، أصبحت المسؤولية الواقعة على عاتق الفنانين كبيرة.
وأصبح تحدي التطور في العرض المسرحي الأسبوعي الشغل الشاغل لأعضاء الفرقة، فعلى كل فنان أن يبحث عن موضوع، وأن يكتبه مسرحياً ضمن الموضوعة والرؤية الإخراجية للعرض المتفق عليه، وكان لابد للمواضيع أن تخاطب الجمهور وتعبر عن واقع حياتنا اليومية من قصف، قتل، حصار، إغلاق ...
وشكل العرض المسرحي المتنفس الوحيد ليس لفناني القصبة وحسب، بل للجمهور، وغدا العرض تظاهرة ثقافية وملتقى لإثبات الذات، وإثبات حقنا في المقاومة وفي الوجود وفي حياة طبيعية.
محمود أبو حامد