في أحد حواراته قال المسرحي ناجي الحاي انه يسير على اسلوب واحد ويعتني كثيرا بالتركيز على الممثل واخراج طاقته وانه لا يعتمد على الابهار ولكن عفوية الاداء هي الهدف وهذا امر ليس بالسهل.
ويحتاج الى مجهود كبير من الممثل ويقول عن رافعة العمل التي يعتمدها حين تناول نص ما.. لكل تجربة مناخها الخاص، فعند شروعي في اي عمل فني لا افترض منهجا معينا يخدم هذا العمل بقدر ما اشعر بأن هنالك شيئاً ما بداخلي يجذبني نحو تشكيل عالم خاص فكل عمل اشرع فيه احس بأنني وضعت نفسي في كارثة عظمى.
ولابد ان انجو منها كمن ركب سفينة وابحر في وسط المحيط وهو لا يعرف الاتجاهات ولا اين توجد اليابسة، انه شعور قاتل محطم للاعصاب خاصة اذا كنت الربان ومصائر الناس الذين معك متعلقة بك وبقراراتك لدرجة انني اصل الى مرحلة لا اعرف فيها ماذا اعمل.
وكأن هذا العمل هو أول تجربة بالنسبة لي فاعتمد على حدسي وحسي واجعلهما يقوداني نحو بر الامان، فرغم ايماني العميق بأهمية الجانب الاكاديمي إلا اني ارى بأن الحس يأتي في المقام الاول وهو بلا شك لا ينمو ويتطور بدون استناد على الجانب الاكاديمي.
يعد الحاي واحدا من اهم مخرجي المسرح في الامارات، وهذا الوصف لم يأت من فراغ وانما هو خلاصة اراء عدد كبير من النقاد والمسرحيين الذين تماسوا مع اعمال الحاي المسرحية وطليعية تجربته، سواء بالاشتغال على الممثل، او فيما يميز مسرحه من اختزالات قاسية، صارت مع تراكم تجاربه هوية خاصة تخص مسرحه.
في مهرجانات عربية وخليجية عديدة حققت اعمال الحاي اضاءات كبيرة مما جعلها تستحق العديد من الجوائز المتقدمة ومنها: حبة رمل، بنت عيسى، ما كان لاحمد بنت سليمان، زكريا حبيبي، الهوى غربي، باب البراحة ومؤخرا مسرحيته سفر عميان التي استوحاها من مسرحية العميان لميترلنك وعرضها خلال الدورة السادسة عشرة لايام الشارقة المسرحية.
في جميع هذه الاعمال التي تراوحت ادوار الحاي فيها بين المؤلف والمخرج هناك سمتان متلازمتان يلحظهما كل من يتعاطى مع مسرحه، وهما: الاختزال المكثف في السينوغرافيا واعتماد الفضاء الخالي والاتكاء على ديكورات بسيطة ومجرده، واشتغال واضح على اسلوب من الاداء التمثيلي عند ممثليه.
ويمكن القول ان الحاي وهو يتخلص من الادوات الكثيرة في الفرجة المسرحية يشير بسهم كبير الى ممثله باعتباره البطل الاوحد في الفضاء الحالي، وهذا انتصار لفكرة المسرح الفقير، الفكرة الطليعية التي انتصرت لصالح الغوص اكثر في تفاصيل الممثل وبلا منازع.
هذه الأيام يعيد الحاي تدريباته من جديد على مسرحية «سفر عميان» بعد ان تغير نصف طاقم الممثلين الذين شاركوه في العرض الاول وذلك لاعادة عروض هذا العمل من جديد والذي اجتمعت الاراء عليه خلال ايام الشارقة المسرحية على انه عرض لم يكتب له النضوج الكامل، ووصل الى المهرجان قبل ان يحقق استنطاقاته الفنية والمعهودة في مسرحه.
وذلك بسبب ضيق الوقت الذي نفذ فيه الحاي تدريباته مع ممثليه على هذا العرض الذي يعد شائكا من ناحية الاداءات المطلوبة له.. فعرض «سفر عميان» عبارة حالة خوف وقلق من مواجهة مصير مظلم ومحتوم لمجموعة من العميان تاهوا في صحراء كبيرة حاصرتهم فيها الذئاب، هذا الانتظار هو الذي سيدفع المجموعة الى الكشف الداخلي عن مكنوناتها المخبوءة.
وفي هذا الكشف تتباين التقاطعات والاختلافات، تتقارب وتتباعد لتصل الى حد التصادم.. وكمن يزاوج بين العراء الخارجي للصحراء والعراء الداخلي للشخصيات، يلعب الحاي على مقولات كبيرة في نصه المأخوذ عن فكرة الكاتب ميترلنك، فالعميان الذين سوف تتكشف دواخلهم عن رغبات وامنيات وتوجهات وفلسفات حياتية ما هم الا نماذج لشرائح مجتمعية تعيش عصر العولمة.
وتياراتها العاصفة بالخصوصية والانكشاف القسري، الفكر المتشدد والمتطرف في مقابل فكر يمارس الانفتاح اللامسؤول يتقابلان في حالة من عدم الوفاق والتقابل في ظرف زماني ومكاني يهيء كثيرا للاهتزاز، فشخصيات العمل تبني افكارها من منطلقاتها التي يهزها ناجي الحاي .
ويوترها كثيرا بأصوات الذئاب وصوت الرياح وحركة الرمل والليل الكئيب وانتظار المجهول، يقابله انتظار المخلص في محاولة للغوص تحت سطور الحكاية.
وصولا الى الدلالة الاعظم للفرجة، فالعمى ليس الا عمى بصيرة والصحراء ليس الا دلالة تيه والذئاب ما هي الذئاب الطبيعية وانما كل ما ينال اليوم منا.. هي بالضبط ملامح واقع تعيشه امة اوجدت نفسها في نفق شديد الظلمة ولا وضوح لنهايته.
يضع الحاي هذه الأيام ثقله من جديد في عرض سفر عميان من خلال التدريبات المكثفة التي يقوم بها مع مجموعته الجديدة بغية الوصول الى شريحة اكبر من الجمهور.. فبالرغم من ان التجربة تقوم على تجريد الواقع الا انها تغوص فيه لتصل به الى الواقعية، وبين المزاوجة بين المدرستين يحاول الحاي صنع فرجته معتمدا على الاداء الصعب للممثلين.
والحاي ليس بعيدا عن هذه الاسلوبية التي لعبها في مسرحيات سابقة وربما تجلت كثيرا في مسرحية «باب البراحة» التي اعتمد فيها على فضاء عار وثلاثة اسرة وممثلين يسبحون في السواد لكنهم كانوا كل شيء في نهاية المطاف.
مسرحية سفر عميان ستعرض على مسارح الدولة في محاولة للقيام بجولة كبيرة للاقتراب من الجمهور واول محطة لها ستكون على مسرح مؤسسة العويس الثقافية بدبي مع نهاية الشهر الحالي.
مرعي الحليان