عندما تفتحت عيناه على الحياة، شاهد جنود الاستعمار يحتلون البلاد، وعايش الغارات الجوية، فشارك المقاومة الشعبية، في طلاء زجاج البيوت باللون الأزرق، حتى لا تطالها غارات قوات الاحتلال.
ومنذ نعومة أظافره، عرف قيمة الخط والكلمة فاستخدمها في محاربة الاستعمار، ولم يلعب الدور وحده، فأخذ بيد أقرانه، وعلمهم كيف يحاربون الاستعمار من خلال كتابة بعض الشعارات المعادية له، ومنذ ذلك الوقت بدأ اهتمامه بالخط، وعندما لمح مدير مدرسته نبوغه وموهبته في الخط العربي منحه دكانا ليمارس فيه موهبته.
ويعرض فيه بضاعته، فكانت أول لافتة كتبها على واجهة دكانه «خضير الخطاط» فلم يلتفت إليها أحد، فأراد أن يعلن عن نفسه مرة أخرى فكتبها بشكل عكسي حتى لفتت انتباه المارة.
ومنذ ذلك الوقت ذاع صيته في مدينته الباسلة بورسعيد ليصبح أشهر خطاطيها، بل هو الآن من أشهر خطاطي مصر، بعد أن التحق بالتلفزيون المصري لسنوات طويلة، استطاع خلالها إحياء الخط العربي، ليس من خلال التلفزيون فحسب بل أيضاً من خلال جمعية الخط العربي والتي ساهم في تأسيسها من خلال تدريس قواعده من خلالها.
واجتذاب الفتيات والشباب المهتمين بالخط العربي وإقامة المعارض لهم في مصر ومختلف دول العالم العربي والغربي بهدف الوصول إلى العالمية.. هو الخطاط المصري الشهير خضير البورسعيدي. وحول مشواره الإبداعي في الخط العربي وعن تأسيس الجمعية كان لنا معه هذا الحوار.
ـ ما هي حكاية جمعية الخط العربي.. وكيف نشأت؟
ـ المشوار بدأ منذ عشر سنوات حتى تم الإعلان عن الجمعية، ومنذ ذلك عندما شعرنا بتراجع الاعتماد على الخط العربي ولشعورنا بأنه أشبه بالمريض في غرفة الإنعاش، جاءت فكرة إنشاء الجمعية، حتى ننقذ الخط العربي وحاولنا تحقيق أهدافنا والتي تحولت إلى واقع ملموس على الساحة من خلال تدريب قاعدة كبيرة من الشباب المهتمين بالخط العربي، حتى تظل مصر رائدة في الخط العربي.
وكذلك تم تخريج ما يقرب من 12 ألف شاب من المهتمين بالخط العربي، عن طريق عمل ورش عمل تضم الشباب مع توفير الإمكانيات والأدوات اللازمة لتعليمهم أصول وأساليب الخط العربي، حتى وصلنا إلى عدد لا بأس به من الشباب والذين أصبحوا ركائز أساسية في لجنة الخط العربي.
كما أقمنا العديد من المعارض وكان لنا العديد من الجولات في كل أنحاء العالم ونتيجة لتفعيل دور الجمعية في المجتمع أصبح لدينا أكثر من 3500 عضو.. في كل المحافظات المصرية، كما انضم إلينا أعضاء من البلاد العربية، وفي طريقنا لتكوين اتحاد الخطاطين العرب..
وذلك تحت رعاية المستشار السياسي لرئيس الجمهورية د. أسامة الباز لأنه الرئيس الشرفي للجمعية، وهو يساعدنا الآن في تنفيذها من أجل تحقيق أهدافنا، وفي نفس الوقت تشارك الجمعية مع وزارة التربية والتعليم لحل الخط العربي واحيائه.
كما أن الجمعية تهدف إلى تدريسه كمادة أساسية في المدارس منذ الصف الأول الابتدائي، وحتى الثانوي والجامعي، حتى لا تطمس هويتنا العربية، لذا طالبنا وزير التربية والتعليم الاستعانة بالمتخصصين في تحسين الخط العربي في المدارس.
لأنني أري أن مدرس اللغة العربية لا يجب أن يعطي دروسا في الخط العربي لأن هناك متخصصين في ذلك، ويجب أن نجعلهم يمارسون التخصص بشكل واقعي.. لذا هناك تعاون بيننا وبين مكتبة الإسكندرية ووزارة الثقافة، كما أن الجمعية أصبح لها فروع من خلال المكتبات الثقافية الموجودة في كل المحافظات.
والآن بعد أن أصبح لدينا 96 ألف طالب في المدارس المتخصصة في الخط العربي، يتم امتحان ما يقرب من ألفي طالب كل عام، ولدينا 70 ألف فتاة مصرية من المجموع الكلي 96 ألف طالب.. وكما قال سيدنا الإمام علي كرم الله «وجهه» عليكم بحسن الخط»، فإنه من مفاتيح الرزق.
من أجل الرزق!
ـ كيف جاء اهتمامك منذ الصغر بالخط العربي؟
ـ أنا من أبناء بورسعيد، وتعلمت الخط ليس من أجل الرزق فقط، بل تعلمته منذ صغري في أوقات الحرب وذلك في عام 1946 ففي أوقات الغارات الجوية كان يتم طلاء الزجاج باللون الأزرق حتى لا يرى المستعمر الأنوار المضيئة داخل البيوت.
وفي تلك الأيام كنت أحضر الماء بجانب الزهرة الزرقاء واخلطها، لكي أكتب بهذا الخليط على الحوائط كلمة واحدة، وهي «من يتعاون مع الاستعمار له الموت»®.
وعلمت عددا كبيرا من الأطفال أن يكتبوا مثل هذه العبارات، ومنذ ذلك الوقت تحسن خطى وبدأت أمارسه منذ أن كنت في الصف الثاني الابتدائي وكنت أكتب تلك الجملة «الملك فاروق ملك مصر والسودان» على «السبورة» المدرسية يوميا.
ـ ما مدى اهتمامكم بإقامة معارض للخط العربي ومن هم أكثر المشاركين فيها؟
ـ نقيم معارض كثيرة للشباب وذلك بمقر الجمعية بحي الجمالية.. وحازت هذه المعارض على اهتمام المصريين والسياح الأجانب أيضا، وعلى الثلاث سنوات الماضية أقامت الجمعية عدة معارض تحت عنوان «عاشقات الخط العربي» وهي مجموعة معارض جمعت الفتيات المهتمات بالخط العربي، لعرض لوحاتهن من خلال، هذا المعرض هذا بالإضافة إلى مقر آخر .
وهو النادي الثقافي للجمعية المصرية للخط العربي بالسيدة زينب، ويقام فيه معارض للشباب ولوحاتهم، وتعد الجمعية هي الوحيدة في مصر التي تصدر شهادة خبرة عربية ومصرية في إتقان الخط العربي، كما أن معظم العارضين هم من أساتذة كلية الفنون الجميلة، والشباب الهاوي للخط العربي، وآخرين حاصلين على دبلوم في الخط العربي!!
التكنولوجيا والخط
ـ مع تطور التكنولوجيا واستخدام الكمبيوتر في الكتابة فكيف تتعامل مع تلك التقنية.. وكيف تحافظ على تقاليد الخط العربي؟
ـ الأدوات مازالت كما كانت في الماضي، نستخدمها حتى الآن فهي «قلم البوص، والسنون التقليدية، والريشة، وسن الريشة.. أي التي نملي بها الكلام، والدواية الحبرية السوداء، ونضع بها خيطا حريريا لكي لا تشرب الريشة من الحبر كثيرا» وهذه الأدوات نستوردها من إيران والهند، والأقلام الرقيقة تأتي من جزيرة «جوا» ويطلق عليها « قلم جاوي».
ولأن هذه الأدوات أحيانا لم يتم توفيرها في مصر، بدأنا نعمل بالبوص المصري «الغاب» ويستخدم في الخطوط الكبيرة، واكتشفت بعد ذلك في عام 1970 «خامة الغاب التي تأتي للصيد من اليابان، واستخدمناه لعمل أقلام الغاب المصري، لأنه أصبح أقوى في الكتابة .
وفيما يخص التقنيات الحديثة والكمبيوتر فهناك فرق بين الكتابة والخط، فإذا كان الكمبيوتر هو لغة العصر فإن الخط العربي هو الخط الوحيد الذي لا يوجد ضمن برامجه لذا فلم تؤثر التقنيات الحديثة على الخط العربي والمشتغلين والمهتمين به.
ـ إلى أي مدى وصل الاهتمام بالخط العربي في عالمنا العربي؟
ـ الخطاطون المصريون والمهتمون بالخط العربي.. أيقظوا العالم العربي بأجمعه للاهتمام بالخط العربي، وذلك من خلال إقامة عيد الخط العربي يوم 4 نوفمبر.. من كل عام، وذلك بالتوافق مع عيد الحب، ولنحتفل به في العالم العربي وليس في مصر فقط، وذلك لنجمع بين الخطاطين المصريين والعرب على حب والوفاء للخط العربي حتى لا تطمس هويتنا العربية.
ولأنني لاحظت أن الخط العربي يتراجع في كثير من البلاد العربية لذا حاولنا إنعاشه من خلال إقامة عدة معارض ببعض الدول العربية، حتى يفيق المهتمون به من غفوتهم، وذلك باعتباره أمانة في عنق كل عربي، كما أعددنا العديد من المسابقات على مستوي الدول العربية حتى لا ينسى اشقاؤنا العرب قواعده، وهذا ما دفع عدد من الأفراد إلى الاهتمام بالخط العربي وتميزهم.
وهدفنا المأمول خلال المرحلة المقبلة هو الوصول بالخط العربي إلى العالمية، وأدواتنا في ذلك محاولة نشر الخط العربي في مختلف بلدان العالم من خلال إقامة المعارض الدولية، ومن خلال موقعنا على الانترنت.
كما أننا بصدد تكوين اتحاد الخطاطين العرب بجامعة الدول العربية وهي نقلة حقيقية للاهتمام بالخط العربي في عالمنا العربي، وحتى يشعر الجميع بأهميته.
القاهرة ـ «البيان»: