تعودنا نحن العرب ومنذ عقود.. على أن نصنف أيامنا وسنواتنا وفق تصانيف غريبة عجيبة، ربطناها بالكوارث التي تلاحقنا على الدوام، بدءاً من النكبة مروراً بالنكسة والاجتياحات العديدة، عدد أحلامنا البطولية .

وصولاً إلى الاحتلالات وما أكثرها، حتى بتنا نتحسر على الأيام الخوالي ونقول دائماً وبنبرة لا تخلو من الصدق واللوعة أن ماضينا كان أحلى، وليت هذا العام أفضل من سابقه، ليأتي عام جديد آخر يضاف إلى قائمة السوء التي تلاحقنا على الدوام.

ربما هو سوء الطالع الذي يلاحقنا، وربما هي نظرية المؤامرة التي نحيكها دائماً على مقاساتنا التي تصغر عاماً بعد عام، لنتحول في كل مرة إلى أهازيج رخيصة في أفواه الآخرين، أو حكايات للتندر في مجالس عقدت لهذه الغايات النبيلة؟!

حتى الإبداع لدينا تحول إلى أضحوكة بكل معنى الكلمة، جفت فيه أغلب الينابيع، وبتنا نفتش في دفاترنا العتيقة عن كل ما يصلح أن يكون جديداً وجيداً يناسب هذه الأوقات، أو نرنو بأبصارنا فقط إلى كل ما هو عالمي مبدع وجميل قائلين اننا أمة لها ماض عريق تناست حاضرها المخزي في كل شيء..

كتَاب بعدد حبات الرمل، وشعراء ينثرون دررهم في كل الأنداء، ونقاد يغبَرون الساحة بمصطلحاتهم المنسوخة أو المسروقة، إلى جانب جيوش من مدعَي الأدب وذواقة الفن الرفيع المرسوم بعناية ريشة فضائيات وقنوات إعلامية لا ترحم هشاشتنا الإبداعية ولا تراعى حرمتنا الضائعة على مر أيام.

لنضحك ونحن نطالع أخيراً وليس آخرا، التقرير السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، والذي وصف العام المنصرم بالأسوأ منذ عشر سنوات وقد قتل فيه 27 صحافياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

مما يجعل هذه المنطقة «منطقتنا طبعاً ولا فخر»، الأكثر خطراً على من يمارسون مهنة الصحافة، في الوقت الذي قتل أكثر من 74 صحافياً في العراق منذ الاحتلال الأميركي، ولم يتجاوز عدد المراسلين الذي قتلوا في الحرب العالمية الثانية 69 صحافياً.

وكأنه لا تكفينا كل الهزائم والانكسارات، حتى ننعم بهذه السمعة العالمية ونحن نرثي «زملاء شهداء» قضوا في ميادين عملهم يحملون عنا الكلمة الحرة والموقف النبيل، في الوقت الذي لا نكلف فيه أنفسنا، عناء الاعتراف بقلة حيلتنا وضعفنا ونحن نتابع ما يدور من حولنا.

لا شك أن أياماً عصيبة أخرى سنمر بها، سنقرأ فيها عن خيباتنا المتكررة، ونسمع أخباراً لا تقل قتامة عن كل ما هو سائد حالياً، لأننا ببساطة نستحق «الرثاء العالمي» المبدع، على الأقل كي نعلق كل ما يكتب عنا على أسوارنا المتهالكة.

ونحن نفاخر العالم بقصائدنا الصدئة ورواياتنا الهزيلة، ونتقبل العزاء بكل من أبدع ولم ينل حقه إلا بعد رحيله أو بعد أن اكتشفه حظه العاثر، تكفينا الأيام الخوالي وأسماء الشهداء المعطرة بياسمين تضحياتهم، لأنه سيأتي يوم لن نجد فيه من يكتب فينا كلمة عزاء بعد أن نكون قد نسينا أرواحنا على قارعة الأيام.. فهنيئاً لنا على كل الأحوال.

alomawi@albayan.ae