افتتحت مساء أمس الدورة الرابعة من دورات مجلس دبي الثقافي المسرحية بالتعاون مع مؤسسة سلطان العويس الثقافية، تحت عنوان «مقدمة في مدارس الإخراج المسرحي».
حيث سيقدم المخرج العراقي «محمود أبو العباس» محاضرة حول الإخراج المسرحي أكد في مستهلها، أن الحديث عن مدارس الإخراج المسرحي أمر متشعب وذلك لتعاقب المدارس الإخراجية،.
كما أنه لا يمكن الرصد التاريخي لهذه المدارس والنظريات الإخراجية التي بدأت وتطورت نظرياً لأنها في حالة تغير مستمر على اعتبار أن النظرية هي لغة المتغيرات دائماً والاخراج المسرحي هو روح العملية المسرحية باعتباره أكثر العناصر إشكالاً في الإبداع المسرحي لأن الممثل ومصمم الديكور .
والإضاءة وكاتب النص وبقية العناصر لهم دور محدد في حين يجمع المخرج كل هذه العناصر في عرض مسرحي متطور، كما أن الدراسة الأكاديمية وحدها لا تكفي لأن الإخراج يعتمد على الرؤى غير الملموسة بالدرجة الأولى.
وأشار المخرج العراقي صاحب مسرحيات: قوم عنتر، السدادة، يا ليل ما أطولك، العارضة، السواحل، إلى أن الإخراج بمفهومه الحالي لم يكن موجوداً عند الإغريق.
ولم يكن هناك مسمى للمخرج حتى القرن السادس عشر، وإنما هناك تنظير فلسفي اعتمد بالأساس على الموروث المسرحي الذي هو بالأساس اعتمد على الميثيولوجيا اليونانية بمنحاها الديني، ولأن المعمار المسرحي الإغريقي كان ثابتاً يتحدث عن مخرجين من اليمين لدخول الكومبارس أو الجوقة.
ومخرج في الوسط للآلهة، في حين أخذ شكل جلوس الجمهور في العرض المسرحي شكل «حدوة» الحصان، في الوقت الذي عرَف فيه «أرسطو» التراجيديا، بأنها محاكاة لفعل نبيل، تام المعنى، له طول معين، مزين بلغة متوجة بالشعر، ينجزها مجموعة من الممثلين، فتثير العاطفة والخوف، وتحدث التغير.
في الوقت الذي لم يهتم الرومان كثيراً بالنص المسرحي المبني على الأفعال النبيلة التي تتحدث عن الآلهة والملوك، حيث خرج «يوربيدس» من هذه الحكايات وبدأ في تقديم شخصيات إنسانية.
متعمداً إنزال النص المسرحي من الدينية إلى الدنيوية، وهذا ما أدى إلى تغير العمران المسرحي واللغة المسرحية، حيث بدأ الجمهور يتابع العلاقات الاجتماعية دون الاهتمام بخلفية العرض المسرحي، ولأن الفعل المسرحي الروماني، فعل منتهي، فقد جاء التأكيد على الفعل الحربي .
ومشاهد القتال، فبرز الجانب التقني من خلال استخدام «الصقالاَت» و«العجلات الكبيرة» التي دخلت المسرح، فيما برزت «السيوف» وسالت الدماء بشكل حقيقي.
بعد ذلك استعرض المحاضر، مرحلة «المسيحية في المسرح» التي أوقفت الحديث عن الآلهة وأوجدت فكرة الحوار مع المنشدين، ومرحلة مسرحيات «الأسرار والمعجزات» التي أخذت من الدين بعض المفاهيم، بينما بقي شكل المسرح ثابتاً يرتبط بمفاهيم وقيم الجنة والأرض والنار من خلال توظيف الدين درامياً.
بعدها ظهرت المدارس الحديثة وكتَاب على مستوى من التميز والإبداع، كشكسبير في إنجلترا وموليير في فرنسا، وقد أحدثوا تغييراً كاملاً، حيث برز النص الشعري الذي يتحدث عن دواخل الإنسانية وتدفقها، لذلك يمكن القول، أن مسرح «شكسبير» لا يمكن تعويضه.
ولو جمعنا ما كتب عن مسرحية «هاملت» من دراسات وأوراق، للفت الكرة الأرضية لأن مسرح شكسبير مسرح ديمومة والمادة الشعرية دسمة لكن صعوبتها تكمن في تصويرها وتجسيدها.
واستعرض المخرج «محمود أبو العباس» ملامح الشكل الإخراجي في هذه الفترة حتى ظهور «ديفيد جارك» الذي أعاد كتابة ملامح مسرحيات شكسبير، و«جان بوشييه» الذي يعد من أهم المخرجين في العصور الوسطى.
والدوق الألماني «ساكس ميننغن» كأول مخرج مسرحي كتب الإخراج المسرحي على الورق قبل تنفيذه، وأبطل فكرة البطل وسلطته، في الوقت الذي وصل ما كتبه في هذا المجال إلى آلاف الصفحات، حيث يمكن تنفيذه أعماله الآن بحذافيرها.
ومع ذلك لم تتضح ملامح مدرسته الإخراجية، بسبب منحاه الرومانتيكي، على اعتبار أن المذهب «الكلاسيكي» يتطابق فيه الشكل مع المضمون، في حين يبدو المضمون بسيطاً في المذهب «الرومانسي»، لتأتي «الواقعية» وتبرز المضمون على حساب الشكل الذي اضمحلت أهميته.
مشيراً إلى المسرح الطبيعي ورائده «أميل زولا» والذي تأثر به «أندريه أنطوان» الذي أنشأ فرقة «الطلاب» والجدار الرابع في الأحداث، و«جاتييه» الشاعر الألماني، الذي أعتبر الممثل الصلة الروحية بين المخرج والمؤلف.
و«أوتو أبراهام» الذي قال أن الإخراج المسرحي يتشكل من جلسات التدريب والبروفات التي تصنع العرض، و«ستانسلافسكي» الذي وضع النظريات الأساسية في إعداد الممثل.
ونظرية كاملة في تدريب الممثل والعمل على الفعل الداخلي للممثل، وقد ارتبط ارتباطاً مباشراً مع «تشيخوف» الذي كتب الواقعية السحرية وتحدث عن الخيط الخفي تحت الحدث.
والعمل على مخيلة الممثل وتقسيم النص المسرحي إلى وحدات فعل دراماتيكية، إلى جانب الصدق في الأداء، كذلك تجربة «ماكس راينهارت» في مسرح الهواء الطلق، مستنتجاً أن القاعدة في المسرح هي اللاقاعدة، على اعتبار أن الإخراج المسرحي تنوع وخصوبة، بعيداً عن الأشياء المألوفة، ومفاجأة الجمهور بما لا يتوقعه.
وختم المخرج «محمود أبو العباس» محاضرته بالحديث عن التجارب المسرحية بعد الحرب العالمية، كالمسرح التعبيري، ومسرح الفقير، والقسوة، ومسرح الفضاء الخالي ومجموعة المذاهب المسرحية الأخرى التي يعتبر «يوجين باربا» آخر عناقيد التجريب المسرحي في العالم.
هذا وتستمر الدورة المسرحية الرابعة على مدى ثلاثة أيام، يقدم فيها المخرج «أبو العباس» ثماني محاضرات حول الإخراج المسرحي ومدارسه.
والمفاهيم الجديدة، والمؤثرات الصوتية والإضاءة المسرحية، على أن تبدأ الدورة الخامسة والأخيرة من دورات مجلس دبي الثقافي المسرحية يومي (14، 15) مايو الجاري، بمقدمة في السينوغرافيا، يحاضر فيها «عبد الكريم العوض» حول التعامل مع النص، والديكور المسرحي، والإكسسورات، والملابس، والإضاءة.
أنس الأموي
