قالت الدكتورة فاطمة البريكي، ان العرب يقفون حتى الآن على عتبة عصر الإبداع الأدبي التكنولوجي الحقيقي، وانهم ما زالوا يتهجون أبجديته في الوقت الذي قطع فيه الأدب الغربي أشواطاً تقدر بالأميال في هذا المجال.
وأضافت البريكي التي كانت تتحدث في محاضرة لها بعنوان «الإبداع الأدبي في عصر التكنولوجيا الرقمية» استضافها المجمع الثقافي في أبو ظبي مساء أول من أمس:
ان التكنولوجيا تمثل عصباً أساسياً في الثقافة والأدب الغربيين، وهذه نتيجة طبيعية لانبعاثها من التربة الغربية أساساً، ولكنها في المقابل لا تكاد تؤدي أي دور يذكر في معظم دول العالم العربي التي بدأت التكنولوجيا تدب في أطرافها منذ ثمانينات القرن الماضي.
وحددت فاطمة البريكي في محاضرتها أربعة محاور حول تطويع التكنولوجيا المعاصرة لخدمة الأدب العربي، واعتبارها أداة من أدوات الإبداع في تقديم النصوص الأدبية، فبدأت بمحور تطور أدوات الأدب وتغير حافظاته.
وتحدثت بإسهاب عن مراحل هذا المحور فوصفت المرحلة الأولى بمرحلة الموهبة باعتبارها الأداة الوحيدة المتاحة في الأزمنة الغابرة، مع تناسق هذه الأداة مع الحافظة المتوافرة في ذلك الوقت، وهي «الذاكرة البشرية» التي كانت تتلقى وتحفظ النصوص الإبداعية.
وضربت المحاضرة مثالا على هذه المرحلة من خلال نصوص ما يسمى «الأدب الجاهلي»، فيما حددت المرحلة الثانية من هذا المحور، بمرحلة الكتابة والتدوين وظهور الورق كحافظة حديثة للأدوات الإبداعية. أما المرحلة الثالثة من المحور السابق الذكر، فأشارت المحاضرة إلى أنه يتمثل بظهور الآلة الكاتبة .
واستخدام الأدباء لها حتى ظهور الحاسوب بوصفه حافظة بالدرجة الأولى تحفظ النصوص وتساعد في عملية انتقالها، ولم يوظف الأدباء -في البداية- هذه الآلة بوصفها أداة إبداعية ولم يستثمروا وجودها وتوافرها لهم ليبدعوا من خلالها نصوصاً جديدة ومختلفة وممثلة للعصر بل اكتفوا بتلك الوظائف التقليدية لها.
وفي وقت لاحق من هذه المرحلة تم التعامل مع الحاسوب بوصفها أداة جديدة للإبداع الأدبي مع الاعتراف بالإمكانيات المتفوقة التي تتمتع بها مقارنة بالورق، مما أدى إلى إنتاج نصوص أدبية متفاوتة فيما بينها بحسب توظيف كل منها للإمكانيات المتاحة بواسطة الأداة التكنولوجية الجديدة فيها.
ثم تحدثت فاطمة البريكي عن محور «الإبداع الأدبي في العصر التكنولوجي، بين التقليد والتجديد» فأشارت إلى تعريف «الأدب التفاعلي» على أنه الأدب الذي يوظف معطيات التكنولوجيا الحديثة.
خصوصاً المعطيات التي يتيحها نظام «النص المتفرع ـ ب؟ِمُّْمٍُّّ» في تقديم جنس أدبي جديد، يجمع بين الأدبية والإلكترونية، ولا يمكن لهذا النوع من الكتابة الأدبية أن يتأتى لمتلقيه إلا عبر الوسيط الإلكتروني، أي من خلال الشاشة الزرقاء.
ويكتسب هذا النوع من الكتابة الأدبية صفة تفاعلية بناء على المساحة التي يمنحها للمتلقي، والتي يجب أن تعادل -وربما تزيد- عن مساحة المبدع الأصلي للنص، مما يعني قدرة المتلقي على التفاعل مع النص بأي صورة من صور التفاعل الممكنة.
وتطرقت البريكي إلى السمات الفنية التي تميز نصوص الأدب التفاعلي عن غيره من النصوص، وحددتها بست سمات، من أهمها: تقديم «الأدب التفاعلي» لنص مفتوح بلا حدود، تقديمه للمتلقي فرصة الإحساس بأنه مالك لكل ما يقدم على الشبكة، عدم اعترافه بمبدع النص الوحيد، بمعنى أنه يجعل جميع المتلقين والمستخدمين للنص التفاعلي مشاركين فيه، عدم تحديد بدايات في بعض نصوص هذا الأدب، ومثال ذلك رواية (لا أشجار ميتة).
وهي موجودة على الإنترنت، عدم توحيد النهايات في معظم نصوص هذا الأدب، أتاحته لفرصة الحوار الحي والمباشر، من خلال المواقع الإلكترونية التي تحتضن هذا الأدب.
ثم استشهدت فاطمة البريكي بمثالين من واقع رواد الأدب التفاعلي، أولهما «روبيرت كاندل» وهو رائد «الشعر التفاعلي» الذي أكد من خلال موضوع القصيدة الرقمية الذي كتبته الشاعرة السورية مرح البقاعي أن عدد قرائه والمعلقين على قصائده قد ازداد بصورة هائلة عند نشر قصائده على الشبكة العالمية.
أما المثال الآخر الذي ذكرته البريكي فيتمثل بشهادة الروائي «بوبي رابيد» الذي يوصف بأنه أحد رواد «الرواية التفاعلية» حول نفس الفكرة المتعلقة بازدياد عدد قراء رواياته على الشبكة العالمية بعد.
إضافة المؤثرات السمعبصرية لها، حتى أن الأسبوع الواحد لا يكاد يمر، إلا وهناك الآلاف من الرسائل التي تصله وتتفاعل مع رواياته.
ودعت الدكتورة فاطمة البريكي في ختام محاضرتها إلى تبني عدة خطوات، لرأب الصدع القائم بين العالمين العربي والغربي في مجال توظيف التكنولوجيا في خدمة الأدب، وتساعد على جذب الجمهور المتلقي نحو الأدب، ومن هذه الخطوات:
إقامة ورش فنية للتعريف بالأدب المقدم عبر الوسيط الإلكتروني، استثمار علاقة الجيل الجديد بالتكنولوجيا لتقريبهم من الأدب، محاولة تقديم الأدب من خلال الوسائل التكنولوجية ـ حتى إن كان ذلك من خلال ترجمة النصوص الأجنبية المتوافرة على الشبكة- أما الطموحات ـ والحديث للدكتورة البريكي.
ـ فيمكن حصرها بإقامة مختبر للأدب التفاعلي على أرض الإمارات، للتمكن من الإفادة من الثورة التكنولوجية الشاملة. تجدر الاشارةالى أن الدكتورة فاطمة البريكي ـ الأستاذة في جامعة الإمارات ـ كانت قد أصدرت كتاباً حول الموضوع بعنوان «مدخل إلى الأدب التفاعلي» قدّم له الناقد السعودي عبد الله الغذامي، وهي دراسة تعتبر الأولى من نوعها التخصصي في العالم العربي.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري: