يصنع النجار الباب ويتفنن في نحته وزخرفته وتطريزه ودهنه وتلميعه بالزيت.. ولكن بمجرد تركيبه على واجهة البيت يصبح الباب منطقة محرمة ممنوع الاقتراب منها .. يصبح حدا فاصلا بين الداخل السري والغامض وبين الخارج المشاع والمعلن.. ويظل النجار يتعذب لأنه صنع الباب وصار لا يستطيع العبور من خلاله الى من يحب.

***

خلال أكثر من ثلاثين سنة تبدلت اشكال الابواب في الامارات وتبدلت معها وظيفة الباب ودوره..كانت الابواب في الماضي مفتوحة طوال النهار ولا تغلق الا في الليل، والصغار من الاولاد في الاحياء الأهلية كانوا يدخلون الى بيوت اصدقائهم واقاربهم وجيرانهم بلا استئذان..

وكان الكبار لا ينظرون الى داخل البيوت اذا كان الباب مفتوحا، حتى اذا اقترب احد من الباب ليطرقه فانه يقف في الزاوية وليس مواجها للباب في نوع من العرف الاجتماعي الجميل الخاص باحترام الخصوصيات.

.ولكن لا شيء من ذلك يحدث الآن..حيث تغيرت البيوت وكبرت الاسوار وصارت الابواب مغلقة طوال اليوم لا تعبر من تحتها قطة الجيران ولا يستريح عليها عصفور في الظهيرة.

***

الأبواب في الرمز والمعنى كثيرة..أولها رحم الأم حين نعبر منه الى الحياة مطرودين من نعيم الفطرة الى وحشة الفوضى والركض وراء اسئلة الوجود..وآخرها القبر.

وهو فم الارض الذي يفتح في ساعة القدر لندخل فيه مثل لقمة صغيرة سرعان ما يبتلعها الزمن ، والفم هو باب الكلام..والكلام باب المعنى والسؤال. والسؤال هو باب اللانهاية.

***

في حياتنا العربية آلاف من الابواب المغلقة الصغيرة والكبيرة، لكن أكبرها على الاطلاق هو باب الحرية التي تبدأ من العقل والقلب. وعلى باب الحرية هذا يقف الآلاف من الكلاب والحراس والجلادين والقتلة الذين يمنعون الفكرة ويطاردون الكلمة وينحرون الحقيقة ويجلدون كل تعبير انساني صادق..

وهؤلاء يعيشون بيننا ونرى آثارهم كل يوم وفي كل مكان..في أعمدة الصحف التي تراوغ نفسها..في ارتجافة فم المذيع وهو يقرأ نشرة أخبار يعلم انها كاذبة..في صمت الشاعر المهمل على رصيف الخوف، وفي يأس العقول التي تحجرت في رؤوس اصحابها..وأيضا في كلمة (لا) عندما يتم تحفيظها للاجيال بأنها كلمة (نعم).

***

كي يدرك الانسان المعاني العميقة للباب، عليه اولا ان يجرب الوقوف على العتبة فلا هو يدخل ولا هو يخرج.

***

جلس الرجل الحكيم على صخرة في العراء وكتب السطور التالية:

ـ القفل مهما كبر حجمه يسهل كسره.

ـ المفاتيح تظل تعمل حتى لو غطاها الصدأ

ـ اللص يكره الباب اكثر من الجدار

ـ من باب المحبة يمكن العبور بخفة الى قلوب الناس.

akhozam@yahoo.com