مرة أخرى تثير رواية «بنات الرياض» للكاتبة السعودية رجاء الصانع، العديد من الآراء المتناقضة، والتي كان آخرها المداخلة النقدية التي استضافها «ملتقى الثلاثاء» بإتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

وقدم فيها الإعلامي د.هشام الدباغ، تطوافاً في الرواية التي طبعت طبعات عديدة، مقدماً مقاربة للجانب الحكائي والمضموني فيها، مبتعداً في الوقت نفسه عن العمل الروائي بوصفه بناءً فنياً، يوظف عنصري الزمان والمكان من خلال تفاعل الشخصيات ومنظور الراوي في الرواية، تحت لواء البنى السردية وطرائق البناء الفني.

وقال د.هشام ان «رجاء الصانع» شغلت الأوساط الأدبية بروايتها التي استهلتها برسائل «إيميل» كل جمعة تحت بند «سيرة وانفضحت» ليؤم الموقع إلكتروني عشرات هواة التعارف، ويقبل الجمهور.

وبعض الأدباء كغازي القصيبي الذي قال ان مستقبلا باهرا ينتظر هذه الكاتبة، والناقد د.عبد الله الغذامي، الذي أشار أن هذه الرواية ليست عملاً روائياً فقط وإنما حدث ثقافي يجب أن ندرسه بعناية، فيما كتب «تركي الدخيل» مقالً مطولاً عنها.

لذلك فإن سر نجاحها هو دخولها للمرة الأولى كفتاة في العشرينات من عمرها، مناطق محظورة جداً في المجتمع الذكوري، رائدها في مطلع كل «إيميل»، أشعار «نزار قباني».

وكلمات «هيلين كيلر»، إلى جانب ظهورها في لقاءات تلفزيونية مؤكدة أنها تعيش في مجتمع فاضل لكنها لا تعيش في مدينة فاضلة، مغالطة نفسها عندما قالت في البداية أن أحداث روايتها من الواقع لكن عندما اشتدت عليها الآراء النقدية، قالت أن ما كتبته لا يعدو مجرد خيال أدبي.

حيث تتمحور الرواية حول أربع بنات، الأولى «قمرة» التي زفت بطريقة تقليدية إلى «راشد» الذي يدرس في شيكاغو، تلاحظ عدم اهتمامه بها، وتكتشف أنه على علاقة بإمراة أخرى، تصطدم معها مما يؤدي إلى عودتها إلى الرياض وتفاقم أزمتها.

والثانية «مشاعل» التي تحب ركوب السيارات وتبدو كالرجال حين تلبس تخبيء شعرها وتأخذ رفيقاتها الفرحات بما تفعله، وبما أن والدتها «أميركية» فإنها تلتقي بابن خالتها في «سان فرانسيسكو» وتنشأ بينهما قصة حب بلا أمل.

والثالثة «سديم» التي خطبت لشاب وسيم سمح له والدها بالتردد على البيت بعد عقد الزواج، فأشتعل الغرام بينهما في لحظة غياب الأب عن المنزل، فسلمت نفسها قبل حفل الزفاف فأحس أنها سهلة، فبعث لها ورقة طلاق، في الوقت الذي شعرت فيه «لميس» الفتاة الرابعة في الرواية، أن هذا المجتمع لا يناسب مزاجها فاستقرت مع زوجها في «دبي».

وأشار د.الدباغ في معرض مداخلته النقدية، إلى قوة السرد لدى الكاتبة السعودية، وكأنها تعرف العقدة الإغريقية في بناء الأحداث، إلى جانب قدرتها على القص، مشيراً في الوقت نفسه إلى وقوعها في بعض الأخطاء النحوية التي لا يقع بها طلاب المرحلة الابتدائية، كالجار والمجرور والمضاف إليه.

في حين أكد د.صالح هويدي مقدم الأمسية إلى هناك العديد من الأسئلة كثيرة التي لا تجيب عنها شهرة العمل وطبعاته الكثيرة، خاصة أن اختراق «التابوهات» وحده في العالم العربي من شأنه أن يجلب آلاف الكاميرات والفضائيات ودور النشر العربية والغربية، ويمكن لروايات هابطة أن تخرق هذه «التابوهات» .

وتحدث صدى كبيراً لا سيما لدى التقاطها، في حين يسكت الغرب عن عشرات الروايات الإبداعية الجادة حتى لو كانت لكاتبات نساء، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن تداعيات أخرى، تتمثل في صدور روايات جديدة في المملكة العربية السعودية ربما ذهبت إلى أبعد ما ذهبت إليه راوية «بنات الرياض».

من جهة أخرى تناولت أسئلة الحضور العديد من القضايا الإشكالية في الرواية، حيث تحدث «عبد الفتاح صبري» عن الأمور الفنية التي كان يجب مناقشتها في هذه الأمسية، خاصة وأن الأدب في الساحة السعودية يشهد ظهور حركة أدبية نشطة.

في الوقت الذي كان فيه المجتمع السعودي في لحظة ما يعيش «ثقافة سرية، تحت السطح، غير معلنة»، بدليل أن احدى الكاتبات السعوديات فازت في الدورة الأولى لجائزة الإبداع العربي.

وكان عملها الروائي على قدر كبير من التماسك الفني وفيه نوع من الخروقات للمجتمع الذكوري، لكن لم ينل ما نالته «بنات الرياض»، الراوية غير الجديرة بالاهتمام من الناحية الفنية، مفسراً الأمر بشيوع ثقافة الإنترنت.

في حين ألمح «زكريا أحمد» إلى أن د.الدباغ، قدم دعاية للكاتبة السعودية، متسائلاً هل أصبح الإنترنت بديلاً عن الكتاب الورقي، وظهر نوع جديد من الكتابة الإبداعية يمكن أن يسمى بالنص التفاعلي..؟!

أما «عطاف الشمري» فلم تدع هذه الأمسية تفوت دون أن تعبر عن صدمتها لدى قراءة الرواية مؤكدة أن شهرة الرواية لا تأتي من شروطها الفنية وإنما من الموضوع الجريء الذي تتناوله قائلة: «أنا واحدة من بنات الرياض وأستغرب مسألة التعميم الذي قرأته.

وأن تكون هناك فتيات بهذا الشكل، فهذا مأخذ كبير على الكاتبة، لأنها أدبياً لم تلتزم بالأدب مع بنات الرياض وأساءت لنا جميعاً، في حين أشار أحد الحضور إلى أن هناك مجموعة من بنات الرياض سيرفعن دعوى قضائية على «رجاء الصانع»..؟!

في الوقت الذي استغرب «محمد بن علي» موضوع اختراق المحرمات متسائلاً هل تستحق كل هذا الاحتفاء، مشيراً إلى العديد من الآراء التي أكدت أن الرواية لا ترتقي إلى مستوى الرواية الأدبية، على اعتبار أنها حكايات شبه اليومية، في الوقت الذي أصبح فيه التعويل على «الانحراف» شيئاً مهماً جديراً بالاحتفاء..؟!

وأشارت «وفاء الخطيب» إلى أعمال «غادة السمان» و«نوال السعداوي» والضجة التي استحقتها هذه الأعمال الإبداعية، نافية أن تكون «بنات الرياض» رواية بالمعنى الفني لعدم وجود حبكة ووسائل تعبير فني وصراعات داخلية وخارجية بين الشخصيات.

فالحالات التي قدمتها «رجاء» موجودة في الغرب بشكل أكثر قسوة ولا تدخل في إطار الأدب. بينما تمحور العديد من الآراء حول دور الإعلام في رواج الرواية،.

ومسألة الفصل بين الأدب الخليجي والأدب السعودي، ومشروعية فضح أسرار البنات في المجتمعات الشرقية، وموقف الكاتب التصادمي أو التصالحي من مجتمعه، والتوجه الرسمي السعودي في دعم «رجاء الصانع»، والعلاقة بين السياسة والأدب.

أنس الأموي