أحمد فؤاد نجم واحد من أهم الشعراء التحريضيين في مصر والعالم العربي، عاش نكسة مصر والأمة العربية في 1967، وعاش النكسة الأخرى في كامب ديفيد وعصر الانفتاح وقانون الطوارئ، اسم شهرته هو «الفاجومي» يحلم ويدافع عن أحلامه.
وعانى الحبس في المعتقلات، يعشق الحياة والناس والجمال، ويكره الظلم والقبح والفوضى حياته العشرية والإنسانية تعكس حياة الرافض المتمرد، يزداد تألقًا وبريقًا رغم أنه تخطى السبعين من عمره ، كون ثنائياً فنياً مع الشيخ «إمام عيسى» .
وخلفت التجربة تراثًا فنيًا مازالت الغالبية من مثقفي مصر والعرب يتغنون به على الرغم من رحيل «إمام عيسى»، التجربة لا شك تعيد إلى الذاكرة إنجازات «سيد درويش وبديع خيري» في عصرهما.
كتب الشعر والأغنية وساهم في المسرح المصري وقدم البرامج التليفزيونية . في حوار يتناول فيه مشواره الطويل ويجيب فيه عن أسئلة الكثيرين من المهتمين بشعره:
* اخترت كتابة شعر العامية دون الفصحى، فما سبب هذا الاختيار؟
ـ أثبتت الأيام صحة اختياري لكتابة الشعر بالعامية، ففي كل مكان في الوطن العربي أجد جمهورا لهذا الشعر، فالعامية لغة الناس، وأنا من عشاق العامية المصرية، فهي فاتنة وثرية.
وهي أيضًا أهم إنجاز حضاري، لأنها روح الشعب التي لا تموت وقد قلت ان لأي إنسان عربي أن يختبر قوة الفصحى أو العامية، بإقامة خيمتين إحداهما تلقى فيها قصائد عامية، والأخرى تلقى فيها قصائد الفصحى، والنتيجة معروفة، وقد جمعتني ندوات بشعراء عرب كبار، وكانت العامية تربح في النهاية.
* بعض النقاد لا يعترفون بشعر العامية، ويعتبرونه إبداعًا من الدرجة الثانية، فما قولك؟
ـ أولا أنا ضد الصفات التي تلحق بكلمة شاعر، كأن نقول شاعر عامية أو شاعر شباب، لأن المعيار عندي هو وجود الشعر من عدمه، ولو استبعدنا «ملكة» الشعر من مبدعي العامية، فالأولى أن نقول إن دانتيپ ليس شاعرًا، لأنه كتب ملحمته بالعامية، والشاعر مسؤول عندما يرضى لنفسه هذه المكانة.
* كيف؟ العامية فيها ما هو راق جدًا على المستوى الفني، ومنها ما يمثل انحدارًا شديدًا للغة، والعامية مثل كل نشاطات الحياة الآن في أمتنا العربية، وهي اللغة الأم، ولسان الأمة وشخصيتها وروحها.
لغة مختلفة
* هل تعتقد أن العامية هي السبيل إلى تواصل المثقف مع الجمهور؟
ـ أنا لا أنتمي للمثقفين، بل أنتمي إلى الناس الذين أعيش معهم في مساكن الزلزال، ومعاناة شاعر العامية لا تقل عن شاعر الفصحى، بل تزيد، لأنه كما يقول المثل المصري الدارج «يبيع الميه في حارة السقايين» فنحن شعب متكلم.
وله قاموس يزيد على ستين ألف مفردة، فماذا بوسع شاعر العامية أن يقول، وهو يسير على طريق ممهد، وهنا يكمن التحدي، في مصداقية اللغة التي يخاطب بها الناس.
* هل الظروف التي أنجبت ثنائي الشيخ إمام ونجم، اختلفت اليوم؟
ـ لغة العصر اليوم اختلفت عن لغتنا وهمومنا التي عبرنا عنها في الستينات والسبعينات، ولكن ما المانع من ميلاد ثنائي أفضل من «إمام ونجم»، وهناك طريقة ظاهرة غريبة أنه في كل أنشطة حياتنا المعاصرة، لم يخرج من بيننا سيد درويش أو طلعت حرب.
أو أم كلثوم، أو حتى الخطيب لاعب الكرة، فنحن في عصر «الترانزستور التايواني» ولعل الجيل الأصغر الذي لا يزيد عمره على السنوات الأولى أكثر حظًا، لأنه سوف يؤسس حلمه الخاص بعيدًا عن الوصاية ، فعصر اليوم أخرس لم ينطق بعد.
* منذ فترة طويلة لم تخرج علينا بإحدى قصائدك المشتعلة، ما سبب ذلك؟
ـ كثيرون يخيلون أن سبب اختفاء القصائد المشتعلة والحماسية التي كنت أكتبها ترجع إلى رحيل الشيخ إمام رفيق عمري، لكني أرى أن المسألة مناخ عام، المناخ لا يسمح بوجود شعر ثوري أو شعر حماسي، قبل ذلك كنا نأخذ قصائدنا .
وندخل إلى الجامعات، أقول الشعر والشيخ إمام يغني وسط تجمعات الطلبة وأيضًا وسط تجمعات الأهالي، والآن حتى لو كان الشيخ إمام موجودًا، فمن سيسمح لنا بإعادة تلك التجربة التي كان لها بالغ الآثر في الشعب المصري،.
وخصوصًا بين الشباب الذي كانوا في غاية التجاوب معنا، من سيسمح لنا بدخول الجامعات أو إلقاء القصائد الحماسية وسط عدد ولو قليل من الناس، من الشعب.. لا أحد سيسمح بذلك، الجو العام في الخمسينات والستينات كان يسمح بذلك، الجمهور كان لديه استعداد للمشاركة ولو بالتشجيع.
* في رأيك.. كيف نغير هذاالمناخ إذن؟
ـ في ظل هذا المناخ المسموم من الصعب أن ننتظر خروج جيل واعٍ قادر على الحياة ومن ثم لا يمكن أن يحدث تغيير، فنحن بحاجة إلى تغيير يشبه ثورة 19، التي أنجبت عظماء مثل طه حسين والعقاد.
وأحدثت انقلابًا كاملا في كل مستويات الحياة في مصر، ليس فقط على المستوى الثقافي ولكن كل المستويات، اجتماعيا واقتصاديًا وفكريًا، ونحن بحاجة إلى ثورة أخرى مشابهة فليس هناك نشاط سياسي والناس لم تعد لها علاقة بالسياسية فالجميع يعاني من حالة خمول.
* هل ثمة وقائع ثابتة ينبني عليها هذا الكلام؟
ـ طبعًا.. أنا لا أتحدث في المطلق، ويمكن لأي إنسان أن يكتشف بنفسه مهازل كثيرة نعيشها، ولك مثلا أن تتخيل الأثر السيئ لقانون الطوارئ الذي مازال يطبق حتى الآن.
ومهازل الانتخابات التي نشاهدها كل بضع سنوات، وأتمنى ولو مرة واحدة أن يكون للناس دور فعال، أن يتحركوا، أن يقرروا، أو حتى يشاركوا في صنع القرار، فكل الأحداث المهمة والمؤثرة تمت هكذا دون مشاركة جماهيرية، الجماهير مهمشة تمامًا، ولا مجال للإصلاح إذا لم يصر الشعب على أن يكون داخل الصورة، وأن ينادي بتطبيق عادل للديمقراطية.
موقف عام
* أشهر قصائدك كتبت تنتقد فيها الرئيس جمال عبد الناصر، فما هي ملامح موقفك من الزعيم الراحل؟
ـ الموقف لم يكن على المستوى الشخصي، فلا يوجد أحد يستطيع التشكيك في شرف ونزاهة عبد الناصر، إلاأنني اختلفت معه في المبدأ الذي يسير عليه وهاجمته فعبد الناصر ظل 18 سنة يفكر للشعب المصري، بمعنى أنه كان يمتلك 40 مليون عقل قام بتعطيلهم لكي يفكر هو، ولك أن تتصور حالنا إذا فكر 40 مليون مواطن بدلا من مواطن واحد.
* ينتقد البعض علاقتك الحالية بنجيب ساويرس أحد كبار رجال الأعمال في مصر فما قولك؟
ـ لا توجد علاقة بالمعني المعروف، نجيب كان طالبًا في الجامعة عندما كنت أذهب أنا والشيخ إمام إلى هناك، وأنا لم أتذكر اسمه بسهولة، لكن معظم هؤلاء الطلبة أتذكرهم «بالشبه» عندما أراهم، ونجيب يعتز بهذه الفترة، وهو طبعًا كان شاباً ثريًا، ولم يكن يشارك في المظاهرات، لكنه كان فخورًا بانتسابه للجامعة في فترة الانتفاضة الطلابية التي هزت مصر كلها..
ومن المؤكد أن كل من كانوا على علاقة بالجامعة في هذه الفترة من حقهم أن يفخروا بها ولم تكن هناك صلة بيني وبين نجيب، لكن أخيرًا أصبحنا أصدقاء بعد الندوة التي جلسنا فيها سويًا على منصة واحدة، وقد عرض على أن يقيم لي حفلا بمناسبة بلوغي السبعين بعدما رفضت الأوبرا إقامة هذا الحفل.
* ألا ترى أن خروجك من المعتقل، ووجودك الآن بيننا هو أحد ألوان الديمقراطية؟
ـ بالطبع لا، أنا لست مقياسًا لهذا، وإذا كنت أنا خارج المعتقل الآن، فهذا لا يمنع وجود مئات المعتقلين والمسجونين بتهم لا أساس لها، ومعظمها تهم سياسية، هناك عدد كبير من الشباب في ربيع العمر محتجزون في المعتقلات والسجون كل هذا .
ولا أحد يعلم السبب، أنا شخصيًا أرى أنها معركة بين السلطة والشعب، أو بين أصحاب المناصب الحكومية والقيادات الشعبية، ووقود هذه المعركة هم الشباب، ومع ذلك لا أحد يهتم بهذا الموضوع، تمامًا كما يتناسى الجميع قانون الطوارئ السرمدي.
* قضيت 18 سنة في المعتقلات.. ترى ما هي محصلة كل تلك السنوات؟
ـ كل الذكريات الجميلة، وكل الأشعار الحلوة التي مازلت أفخر بها حتى الآن هي من نتاج تلك الفترة، ورغم القمع الذي مورس ضدنا، إلا أن يقيننا دائمًا بأننا على صواب هو الذي كان يبث فينا نبض الحياة ويشعل فينا الحماسة، كنا نعلم أن وجودنا في المعتقل هو رد فعل من أشخاص عجزوا عن إقناعنا بوجهة نظرهم.
*في رأيك، ألا يوجد حل للقضاء على مشكلة الأغنية حاليًا؟
ـ المشاكل ليست ثابتة فهي تنمو وتتطور، تمامًا كالكائن الحي، وبالنسبة للفن إذا نظرنا إلى مكان مثل دار الأوبرا المصرية، التي يعتبرها البعض صرحًا ثقافيًا وفنيا، فإن كمية الروتين الموجودة فيها لا تطاق، أنا مثلا دخلت لكي أقدم فيها عملا، لم أجد موظفًا يتعامل معي، الجميع في حالة خمول ولا مبالاة.
وإذا كان الحال في الشارع تحكمه قوانين الطوارئ والروتين الممل فلك أن تتخيل ما يحدث بداخل مؤسسة أو هيئة حكومية، كل هذا يدل على أن هناك سلسلة متشاكبة لا يمكن فصلها، سلسلة من العداءات تكاد تذكرني بعصور المماليك، عصور النهب والفوضى، إلا أن الشعب كان يثور ويحتج ويتظاهر أمام قصر الوالي ويسترد حقه، أما الآن فلا أحد يهتم.
وسلسلة العداءات هذه تذكرني بجملة قالتها لي جميلة بوحريد المناضلة الجزائرية الشهيرة عندما تقابلت معها بعد تحرير الجزائر «الأعداء لم يتغيروا، لكن الجلود والأسماء فقط اختلفت».
جيل مهزوم
* ما رأيك في الاتجاه الشعري الجديد الذي يكتب قصيدة النثر العامية؟
ـ بصراحة لم أقرأ لهم، لكني لا أريد المصادرة على محاولات أحد، فيمكن لمثل هذا الجيل أن يخترع شكلا جديدًا للقصيدة العامية وهذا حقهم، فقط أخاف من عدم تواصل هذا مع الجيل السابق، سيد درويش مثلا قبل بداية ثورته الموسيقية العظيمة، شرب من نهل محمد عثمان.
وكل الملحنين القدماء، وبعد ذلك ثار عليهم، فأنا أرجو من هذا الجيل الجديد أن يحاول الاستفادة من خبرة الجيل القديم، في نفس الوقت هذا الجيل له مشكلاته ومفرداته الخاصة، وليس من حق أحد أن يفرض سلطته عليه، وأيضًا كيف يحدث ذلك ونحن جيل مهزوم.
* أنت والأبنودي أبناء جيل واحد، وأكاد أرى تشابها بينكما، ومع ذلك ألاحظ عدم وجود أي علاقة صداقة تجمعك بالأبنودي؟
ـ أنا أحب الأبنودي فهو شاعر كبير، لكنه أخذ مني موقفًا منذ عام 1967.
ولا أعرف أساس هذا الموقف، نحن لسنا أعداء كل ما هناك أننا بعيدان جدًا فهو يسكن في جهة وأنا في جهة أخرى تمامًا، نعم.. نحن لسنا أصدقاء، ولكننا لسنا أعداء.
* هل صحيح أنك قلت على بعض مثقفي جيلك أنهم اعتقلوا بالصدفة؟
ـ وهل كان هذا سببًا في الخلاف بينك وبين الشاعر سيد حجاب؟ لم يحدث هذا مطلقًا وسيد حجاب، صديق عزيز جدًا، ويقضي معي فترات طويلة ويزورني باستمرار.
(وكالة الصحافة العربية)
القاهرة ـ «البيان»: