قُدّمت في حلب مؤخراً مسرحية «رهائن» تأليف ليلى طوبال وإخراج عز الدين قنون وذلك بالتعاون بين مديرية المسارح والموسيقى في سوريا ومسرح الحمراء في الجمهورية التونسية. وقد تمّ العرض على مسرح دار الثقافة في حلب.
تصوّر المسرحية مجموعة من البشر يمثلّون شرائع مختلفة من هذا الوطن كانوا على أهبة السفر على متن باخرة.. باخرة تعبر بهم غمار البحر باحثين عن حلم افتقدوه في وطنهم، باحثين عن مستقبل أفضل ونجاحات ممكنة،.
ولكن دقائق معدودات كانت كافية لتحطيم آمالهم، فضاق بهم المكان وانكمشت الجدران والأسقف لتحاصرهم إلى حد الاختناق. لقد أصبحوا رهائن لمجموعة من الارهابيين وها هم يعانون حمى الحصار. يسكنهم هاجس الخوف ومهددين بشبح الموت. تدور عقارب الساعة ببطء.. تصطدم بأصوات تتكلم لغة مجهولة لكنها مفهومة...
أصوات تذكرهم بأنهم رهائن... بأن مصيرهم يهرب من بين أيديهم وبأن حياتهم لم تعد ملكاً لهم. مسرحية «رهائن» هي لحظة تأمّل في ما يجري حولنا.. هي تجسيد مسرحي لأجسام مسكونة بالرعب والهلع، أراد المخرج أن يقول لنا بأن الرعب والهلع لا يحدث للآخر فقط فالآخر هم... الآخر نحن.
تميز عرض الرهائن بأنه يتناول موضوعاً معروفاً ومكرراً على ألسنة الناس والإعلام بشكل يومي. ولكنه تحوّل إلى عرض مسرحي مدهش لمدة لا تقلّ عن الساعتين. كانوا ستة من الممثلين يتحركون على المسرح كما تتحرك الديدان دون توقف..
وداخل حجرة صغيرة.. أو زنزانة افتراضية صنعتها الاضاءة ذات التقنية العالية التي استُقدمت من دمشق خصيصاً لهذا العرض، ان الاضاءة وأجساد الممثلين كانوا أبطال العرض. ولعلّ الاضاءة التي كانت مدروسة بعناية فائقة تفوقت على كل شيء.. وقد أخذت من العمل حيزاً تجاوز الخمسين بالمئة من العرض. ضمن هذه الزنزانة..
أو الغرفة التي كانت تتحوّل برشاقة من مكان إلى آخر كأجساد الممثلين التي كانت تعبّر عن حالة الخوف والرعب وأيديهم مربوطة خلف ظهورهم، كذلك عيونهم التي عُصبت في النصف الثاني من العرض.
ضمن هذا الجو المشحون بالتوتر العالي لم يكن للنص الذي كتبته ليلى طوبال ذا حضور مهم.. فالمخرج عبد العزيز قنون جعل الحوارات التي كانت تدور بين الممثلين مجرّد وسيلة لايصال بعض الأفكار المباشرة فقط.
ومن ثم تحوّلت إلى تداعيات على لسان الممثلين حيث بدأ كل ممثل يحكي عن ماضيه وحياته وعالمه الداخلي.. ثم لا شيء.. المكان نفسه وثلاث فتيات مع ثلاثة رجال قد حوصروا في هذا المكان الضيق. حيث لا هواء ولا طعام ولا ماء..
ولا شيء سوى الثرثرة وانتظار الموت. لقد حوّل المخرج النص الذي افتقد فعل التطوّر الدرامي إلى مجموعة من الأفعال التي أُعطيت لكل ممثل فأدّت وظيفتها الدرامية في نفس المكان وكذلك الحدث.. كانت هناك دائرة مغلقة، إذاً لا شيء يحدث.... وحتى يستطيع المخرج أن يشدّ المشاهد.
وبالتالي يدفع بالعرض إلى الامام.. كان يستخدم المؤثرات الصوتية العنيفة التي كانت تنزل على رؤوس الممثلين والمشاهدين كالقنابل وتأخذ دور الطرف الآخر (الارهابيين).
وتحرك في داخلهم وداخلنا الرعب والخوف وتشعرنا بأننا جميعاً ذاهبون إلى حتفنا. لعلّ المخرج قد نجح في ذلك كحلّ إخراجي لمشكلة غياب التطور الدرامي في النص ولكنه بقي فعلاّ خارجياً .
ولم يكن ضمن السياق الدرامي للنص. ونجح المخرج في ان يقدّم عدة تشكيلات جميلة أثناء حركة الممثلين أو في لحظات سكونهم وذلك بالانتقال من الاضاءة التي تشكّل الزنزانة أو الاضاءة التي كانت تنزل على رؤوسهم فيبدون ككتلة لحمية اقرب ما تكون إلى منحوتة ضمن فراغ تام لخشبة المسرح.
ومع اقتراب لحظات النهاية، راح كل واحد منهم يصنع سفينة ورقية.. وبدا المشهد جميلاً لولا النهاية المفاجئة، حيث مرّر المخرج سفينة صغيرة فوق سلك يعبر خلفية المسرح وقد توجّه الممثلون بعيونهم وأجسادهم يراقبونها .
وهي ترحل أمامهم كتعبير عن ضياع حلمهم. وقد بدا هذا المشهد كمَن هدم ذلك البناء الجميل بوضع حجرة في غير مكانها. وكان من الممكن إنهاء المسرحية بعد صنع السفن الورقية مع الموسيقى التي كانت تعبّر بحزن عن طفولة ضائعة وحلم هارب.
أخيراً، نحيي كل الممثلين الذين كانوا جميعاً أبطالاً للعمل : لبنى نعمان في دور صوفيه، قيسالة النفطي في دور سعدية، ريم الحمروني في دور عسلة، حلمي الدريدي في دور نيبو، وحيد العجمي في دور باديس، محمد قريع في دور نضال، ولا ننسى الدور الكبير الذي لعبه سفيان لعرب في خلق اجواء جذابة من خلال الاضاءة (كورغرافيا) وكذلك الموسيقى العنيفة والمعبّرة لربيع الزموري، ومساعدة المخرج مريم بوسالمي.
بقي ان نقول لو أن المخرج اختصر العرض لمدة ساعة تقريباً لتخلّص من لحظات الملل التي كانت تتسرّب إلى المشاهدين ولما احتاج إلى استخدام كل تلك المؤثرات الخارجية لشدّ ايقاع العرض وتكثيف لحظاته الدرامية.
حلب ـ د. وانيس باندك: