سررت كثيراً بالردود التي وصلتني على زاويتي الأخيرة التي أتحدث فيها عن «الأقزام»، على الرغم من أن بعض هذه الردود حمل بعض العتب والغضب، كما حمل الرغبة في معرفة من المقصود، كما ذكرت «العنود» في رسالتها البريدية القصيرة والتي أحبت فيها أن تعرف اسم الشاعر أو المتشاعر في نظري.

ولأنني لم أقصد شاعراً بعينه، رغم أن أغلب من يعتلي المنابر الشعرية هذه الأيام هم من الأقزام للأسف، إلا أنني أردت طرح قضية أدبية عامة وليست حالات خاصة معينة.

وهذا لا ينسحب على الشعر فقط وإنما على أغلب الفنون الأدبية الأخرى كالقصة والرواية والنقد وصولاً إلى ما اصطلح على تسميته بالقصة القصيرة جداً وقصيدة الومضة، التي يخيل لي أنها التعبير الحقيقي عن ضآلة وصغر موهبة من يدعي أنه فالح في تقديمها.

مؤخراً وفي إحدى الندوات النقدية الأدبية تصدى خبير إعلامي معروف وصاحب كتب مرجعية هامة، لتقديم مداخلة نقدية حول إحدى الروايات الرائجة هذه الأيام، ولأنه معجب بجمال صاحبة الراوية وأنوثتها الطاغية راح يكيل عبارات المديح المجاني .

ويغدق عليها عبارات الثناء الأدبي، واصفاً قدرتها على السرد بالعظيمة، وأنها صاحبة موهبة حقيقية جديرة بالاحتفاء، مذكراً بين الحين والآخر بما قاله أحد النقاد من «أصحاب القامات الإبداعية الطويلة»، بأن مستقبلاً باهر بانتظارها، وأنها حدث ثقافي هام، لا يقل أهمية عن أحداثنا الثقافية العربية وما أكثرها والحمد لله..

مكلفاً نفسه عناء سرد أحداث روايتها «الفذة» بلغة لا تقل ركاكة عن الأصل، مع فارق بسيط وهو الإعجاب الذي وصل حدود الإزعاج، لدى الجمهور الذي لم يسكت عن هذه الأمسية الهزيلة التي اختلطت فيها المشاعر الشخصية القاصرة بالنقد الأدبي الذي كان من المفترض أن يتسم بالموضوعية والصدق.

فانبرى الجميع لتعداد عيوب هذه الراوية، والحديث عن الكثير من الجوانب السلبية فيها حتى أن إحدى الحاضرات أعلنت أنها شعرت بالخجل والصدمة معاً حين قرأت ما كتبته الكاتبة صاحبة الجمال البارع أدبياً وإنسانياً.

ما يحدث في الأوساط الأدبية العربية معيب ومخجل ويصل أحياناً إلى حدود الغثيان، خاصة إذا علمنا أن البعض ممن نسيهم الزمان، يحاولون التسلق على نجاحات الآخرين، حتى وإن كانت هذه النجاحات «دونكيشوتية» ولا تتعدى حدود اللحظة الراهنة، لكن يبدو أننا نعيش في زمن اختلطت فيه المفاهيم والمعايير ولم نعد نستطيع تمييز الأعمال الأدبية الجديرة بالقراءة والاهتمام.

لكن ما جعلني أشعر ببعض التفاؤل، هو هذا الجمهور الواعي الذي يوصف دائماً بصفات أولها السطحية وعدم القدرة على التجاوب مع التجارب الأدبية المعاصرة، فقد أثبت أنه صاحب حضور طاغ فعال.

وما ابتعاده عن هذه الأمسيات إلا احتراماَ لذائقته ورغباته التي لم تستطع هذه «الأقزام الأدبية المعاصرة» الوصول إليها، ثم يأتي من يتفاصح ويتحدث في كل مرة عن قلة الحضور وابتعاد الجمهور.

وبما أنني في النهاية فرد من هذا الجمهور، أتمنى أن يتوصل قريباً إلى علاج ناجع لمشكلة هؤلاء «الأقزام»، مع أنني متأكد أنهم سيزدادون كالفطر ويتمددون على حساب الأدب الرفيع الراقي، مثلما سيبتعد الجمهور ويبقى الإبداع غريباً في زمن غريب.

alomawi@albayan.ae