لا يحتاج «محفوظ عبد الرحمن» إلى مقدمات صحفية، فهو كاتب وصحافي عمل في مهنة المتاعب منذ أن كان طالباً، لينتقل بعدها إلى الأدب وعالم القصة والرواية والأعمال المسرحية والإذاعية، ويستقر أخيراً عند الدراما التلفزيونية التي قدم فيها أهم أعماله الإبداعية..

وفي هذا الحوار الذي خصَ به «البيان» خلال زيارته لدبي للمشاركة في دورات مجلس دبي الثقافي المسرحية، يفتح نار الأسئلة على الكثير من القضايا الإشكالية..

ـ مع أنك بدأت مع الأدب، وأصدرت مجموعتين قصصيتين ورواية، إلا أنك اتجهت بعد ذلك إلى الكتابة الدرامية، فما سبب هذا التحول المبكر في مسيرتك الإبداعية؟

ـ لهذا الأمر ظروف عديدة يمكن الحديث عنها في إطار الحياة الثقافية، وكوني أحترم الكتابة مهما كان نوعها، فإن المهم إيصال الأفكار بطريقة مناسبة، سواء عبر الكتابة للصحافة أو التلفزيون أو السينما أو المسرح.

وكمثل كل أبناء جيلي، كنت أكتب القصة وأنشرها بعد جهد، فيصدف أن يقابلني بعد فترة من يخبرني أنه قرأ ما كتبت دون أي تعليق، على أساس أن مجرد قراءتها شرف كبير..؟!

وهكذا على مدى أشهر وهذا العدد المحدود من القراء الذين تعودت عليهم، إلا أنني عندما كتبت السهرة التلفزيونية الأولى للتلفزيون وكان ذلك في عام 1966، وكان في نيتي أن أفعل ذلك لمرة واحدة فقط، ففوجئت بأن الجميع شاهد السهرة: في مترو الأنفاق، وفي العمل، حتى في التلفزيون عملوا ندوة عن هذه السهرة، كذلك في الصحافة، لكن الجميل في الأمر ردود الأفعال الإيجابية والسلبية.

ـ ولهذا السبب تبرر دائماً عدم رضاك عن أعمالك الإبداعية؟

ـ طوال عمري لم أرض عن أي شيء قدمته، حتى عندما أبدأ أو أنتهي من الكتابة أشعر بذلك ليس من باب التمايز الشخصي، وإنما لقناعتي أنه يجب على كل كاتب أن يكون بداخله ناقد يمتلك الحس النقدي..

لهذا السبب لا أرى أعمالي إلا مرة واحدة ولا أتابعها حين تعاد مرة أخرى، وأكون في غاية السعادة حين تنفذ بطريقة خالية من الأخطاء الفادحة، لكنني بالمقابل أقول في سري دائماً ما الذي جعلني أقدم هكذا أعمال، وهذا ما يشكل حافزاً دائماً لي لتقديم الأفضل.

ـ ألست معي أن دراستك للتاريخ، قد أثرت بشكل أو بآخر على نوعية الأعمال التي قدمتها فيما بعد؟

ـ بالتأكيد وملاحظتك صحيحة تماماً.. فأنا عاشق للتاريخ بلا سبب، ومنذ الطفولة قرأت ما يمكن تسميته بالدراما التاريخية عن «أبو الفوارس عنترة« و «مجنون ليلى« وغيرها من الأعمال التي جعلتني أطرح أسئلة عن الفرق بين الفروسية والرومانسية، والتي يمكن صياغتها اليوم صياغة نقدية صرفة.

ولأنني محب للتاريخ فأنني عندما أسافر أختار بلا وعي أي كتاب تاريخي، وأعترف أن التاريخ عندي أفضل من الرواية، لأنه لا توجد فترات تاريخية أفضل من الأخرى من الناحية الدرامية.

وبإمكانك أن تفتح أي كتاب يتناول فترة تاريخية لا تعلم عنها شيئاً، فستجد دراما تاريخية من الطراز الأول، وهنا يجب الانتباه إلى أن الكاتب الدرامي يستطيع أن يدرس التاريخ ويستخدم مناهجه لأن الحس الدرامي أداة من أدوات البحث التاريخي.

ـ ولهذا السبب اخترت الفترة «الطولونية» كتدريب مسرحي عملي في دورات «مجلس دبي الثقافي المسرحية»؟

ـ تماماً.. إلى جانب رغبتي في التحدي ومعرفتي الأكيدة أن هذه الفترة لن تثير أحداً حتى في مصر التي لا يعرف الكثيرون فيها عن الدولة الطولونية سوى حكاية «قطر الندى» حفيدة ابن طولون التي تزوجت الخليفة، كذلك جامع ابن طولون بطرازه المعماري البسيط.

ـ من جهة أخرى، ألم تخش الوقوع في مطب الأخطاء التاريخية عند تقديمك لفيلم «ناصر 56» و مسلسل «أم كلثوم» اللذين اعتمدا بشكل أساسي على مصادر تاريخية معاصرة؟

ـ لا شك أن الكتابة التاريخية في غاية الصعوبة في مجتمع لم تستقر فيه القواعد الأساسية في التعامل مع الشخصيات العامة، فضلاً عن ان العمل التاريخي المعاصر حقل من الأشواك، لأن هناك الكثير من الأمور والقضايا المثارة والشهود الذين يحملون وجهات نظر مختلفة، إلى جانب الحساسيات العائلية الشديدة التي قابلتني من أسرة «أم كلثوم« التي رفعت ضدي (15) دعوى قضائية..؟!

هذا قبل الحديث عن الأمانة العلمية، حيث كان بداية الخلاف مع «محمد الدسوقي» (ابن أخت أم كلثوم) الذي اعترض على ذكر أصول عائلته «الفقيرة«، حيث يعيش حالياً في منطقة الزمالك، كذلك تكليف الرئيس جمال عبد الناصر لأم كلثوم وعبد الوهاب بتقديم عمل فني، على اعتبار أن لا أحد يكلف «أم كلثوم« بأمر..؟!

ـ وكيف ترد على الانتقادات التي أشارت إلى تقديمك «أم كلثوم« بصورة مثالية، وتجاهلك لخلافاتها مع «أسمهان«؟

ـ أولاً أنا لم أقدم «أم كلثوم» بمثالية وإنما بطريقة إنسانية، ولا يمكن أن أكون معجباً بشخصية ما وأقوم بشتمها، كما أنه لم يكن هناك خلاف حاد بين أم كلثوم« و«أسمهان«، إنما تحفظات كار وأمور تحدث في جميع الأوساط العامة، ومن العيب التعليق على خرافة أن «أم كلثوم« قتلت «أسمهان«.

لذلك كان من دافعي عرض شخصية «أسمهان« في المسلسل هو إظهار حقيقة العلاقة بينهما، وذلك من خلال سبع مشاهد قمت بكتابتها لهذا الغرض.

وبما أنه مضى مدة على هذا الموضوع فسأروي لك للمرة الأولى الحكاية كما حدثت، فقد فوجئت بفاكس يصلني من رئاسة الجمهورية فيه شكوى من «كاميليا» ابنة «أسمهان» وشخص يدعى «عماد الأطرش» لا أعرف مدى قرابته للعائلة، وطلب بعدم ظهور «أسمهان» في المسلسل.

وقد تم تحويل الرسالة إلى وزير الإعلام الذي حولها بدوره فاستغربت هذا الطلب الذي يحرم «أسمهان» من فرصة الظهور في عمل درامي، وهي التي كانت تسعى بكل ما تملك للظهور على الشاشة، وعلى هذا الأساس أصدرت بياناً قلت فيه انه عقاب الأهل أسمهان لن تظهر في العمل، بغض النظر عن أية جوانب أخرى سلبية في شخصيتها، كعلاقتها بالمخابرات وزواجها من اثنين في وقت واحد، وأنا لم أكتب ذلك بأي حال من الأحوال..

بعد ذلك طلب بعض أفراد أسرتها كتابة عمل كامل عنها، فرفضت حتى مبدأ الجلوس معهم احتجاجاً على ما حدث لأنني في النهاية لا أريد أن أكتب على مزاج أحد.

ـ هذه الحدة في التعامل مع الأمور هل تنطبق أيضاً على علاقتك المتأرجحة بإتحاد كتاب مصر والأزمة الدائمة بينكما؟

ـ بداية.. أنا مع النشاط النقابي لكن يجب ألا نتصور أن إتحاد الكتاب هو النشاط النقابي الوحيد، كما أن «إتحاد كتاب مصر« لا يختلف نسبياً عن أي اتحاد كتاب في العالم العربي، حيث يتجمع أصحاب الأحقاد الشخصية والكتاَب الأقل، الذين يتواجدون أكثر ويترشحون ويحصلون على أعلى الأصوات لأنهم يدعون تقديم خدمات صغيرة، ويستفيدون مما يسمونه هم «العطايا» وقراءات لجان النصوص.

بدليل قضية «صلاح محسن» الذي كتب كتاباً فيه تجديف وإهانة أكثر من الرسوم الدانماركية، وعندما وصل الأمر إلى القضاء والنيابة، كانت السخرية أن كتابه مجاز من «الاتحاد» ولم يقرأه أحد..؟!

كذلك فضيحة الأسبوع الماضي حين قرر مجلس الإدارة فصل «ميلاد حنا» صاحب الحضور العالمي، و«حمدي الكنيسي» الذي عمل لسنوات على تغيير قانون الإتحاد في مجلس الشعب، وذلك لعدم حضورهم الاجتماعات بانتظام..؟!

لذلك أرى أن فكرة «اتحاد الكتاب» فكرة فاشلة، وكيانات وهمية معطلة للثقافة، مع أن هناك جمعيات ونقابات أخرى تؤدي أدواراً مهمة، «كنقابة المهن السينمائية»، و «جمعية مؤلفي الدراما»، و «جمعية الثقافة والتنوير» بالإسكندرية، وغيرها الكثير..

ـ ما دام الأمر يتعلق بالحضور ماذا عنك وأنت لا تحضر اجتماعات الإتحاد نهائياً؟

ـ (ضاحكاً).. لم يحن دوري بعد، مع أنني أحضر وأعرف كيف أتعامل معهم جيداً.. والدور المقبل على «سمير غريب» ولا مانع لدي في أن نكمل الحوار حول الموضوع السنة المقبلة، فأنا عضو مجلس إدارة لعدة مرات وسأمشي طبعاً في اللحظة التي أستطيع فيها ذلك.

ـ لكن من الغريب قيامك برفع دعوى قضائية بدعوى السب والشتم، وحصولك على حكم بسجن زميليك في الإتحاد: «أحمد عبد الرزاق أبو العلا» و «أحمد فضل شبلول»، حتى أن فرع الإسكندرية أصدر بياناً يستنكر ما قمت به ؟

ـ من رفعت ضدهما هذه القضية ليسا زملائي ولا أصدقائي، ومسألة أن يشتم الكتاب بعضهم أمر غير مقبول أبداً وهم ليسوا أحرارا في هذا الموضوع، وما حدث كان كلاما شهد عليه بعض أعضاء المجلس وتم الحكم لصالحي، لكنني مع ذلك لم أنفذ الحكم.

حوار: أنس الأموي