ماذا لو أتيحت لك الفرصة بأن تقترب من عبقري؟ وما هو شعورك حين تكون العلاقة بينكما قوية الأواصر مما يجعلك تقترب من تفكيره وتعرف ميوله وتتعلم منه «أشياء» لن تتاح لك فيما لو كنت على هامش حياته.. هؤلاء العباقرة كيف يفكرون؟ وكيف يتعاملون مع المحيطين بهم؟

وما هي ردود أفعالهم تجاه المشكلات التي تصادفهم؟ وهل هي مشكلات كالتي يصادفها العاديون؟ أسئلة كثيرة لن تستطيع أن تجيب عليها إلا إذا كنت قريبا جدا من أحدهم.

والكاتب القدير يحيى حقي هو بالفعل عبقري من العباقرة الذين أنجبتهم مصر وتغنوا بها.. حين تقرأ قنديل أم هاشم تحس بهذا الكم من النشوى التي تعتريك وتصاب بذهول كيف يتأتي لهذا الرجل أن يترجم أحاسيس الشخصيات لتنطق أمامنا بهذه الروعة .

وكيف يغزل من المعتقدات الراسخة حيوات تحوي أهل هذه المعتقدات؟ يحيى حقي الكاتب الذي اعترف بعبقريته الآخر وقالوا عنه ما يؤهله ليتبوأ مكانة عالية بين أهل الأدب ليس في مصر بل في العالم العربي، ولكي تلج إلى داخل هذا العبقري كان لزاما علينا البحث عن طريق شرعي لهذا وحين وجدناه لم نتردده كانت نجلته الوحيدة (نهى) أقرب الناس إليه تحدثت معنا بأريحية وهي سعيدة لأنها تتحدث عن أحب الناس إليها .

في البداية سألناها: ـ كيف كان يحيى حقي الإنسان؟ قالت: يتحدث «يحيى حقي» بلسان واحد، هو نفسه الذي يراه القارئ في عباراته الأدبية من صدق ورقة وبساطة وخفة ظل.. كانت هكذا طبيعته في الحياة بين أفراد أسرته.

. فلم ينفصل يوما عن واقعه ويعيش في شخصية بين سطورها يبدع تختلف عن التي يعيشها بين الناس.. فلم يكن يفتعل البساطة ،بل هي طبيعته، وكل أسرة حقي هكذا ومردود ذلك إلى التربية التي تولتها الأم ليحيى، موسى، زكريا وإبراهيم حقي، فمنها أخذوا كل هذه الصفات، لقد كان حديثه غاية في الرقة وخفة الظل، بسيطاً في عباراته..

أخبرني أنه طوال أيام حياته لم يستمع لكلمة شاذة أو فجة في محيط أسرته، وقد كان يهتم بكل شيء حوله، من صوت الكروان، الشجر والأزهار والمناظر الطبيعية، فالتأمل عنده هو الخطوة الأولى في كل شيء.

ولقد تعلمت من يحيى حقي أن أحترم الإنسان والأشياء الأخرى، كما علمني أن أتأمل وأدقق في كل شيء مهما كان دقيقاً، بالإضافة إلى حب كل من حولي وحفاظي على علاقاتي بهم واهتمامي بمشاكلهم. علاقة خاصة ـ كيف كان يتعامل مع وحيدته التي هي أنت؟ أسلوبه عجيب معي، فكان يمشي بخطوات هادئة.. إذا جلس إلي ولو مرة واحدة، لابد أن يترك لدي بصمة من خلال كلامه..

لا يمكن أن يمر عليه أي شيء مرور الكرام، يجلس معي بكل مشاعره وأحاسيسه، غمرني بأنهار متدفقة من الحنان عوضتني الوحدة ـ بلا أشقاء ـ ولم تشعرني باليتم ـ بعد وفاة الأم ـ، فكانت مشكلته الكبرى هي بعدي عنه، حيث تولت تربيتي جدتي لأمي، بينما هو يتنقل بين الدول في السلك الدبلوماسي.

وهو ينتظر بفارغ الصبر أن أتخطى سنواتي الأولى، ـ وحيث رحلت والدتي وأنا رضيعة ـ وذلك حتى أتعلم القراءة والكتابة، كي تعوضني رسائله بعده عني. لقد اختلطت روحي به فكنت أشعر بسعادة غامرة حينما تمر به السعادة وهو بعيد عني، كما كنت أمر بلحظات ضيق شديدة إذا كان يعاني من ذلك رغم بعد المسافات الأرضية بيننا، هو أيضا كان كذلك، أما أجمل ما كان بيننا هي الصداقة التي ربطت بيني وبينه.

فهو لم يكن أباً حنوناً فقط، بل كان صديقاً مخلصاً، فلم أخف عنه شيئاً طوال حياتي، أما طريقته في التربية فكانت هادئة جدا، وبصفة دائمة تتم بطريق غير مباشر، فلم يحرجني أبدًا، حتى لو صدر مني سلوك هو من وجهته لا يليق، لم يعنفني عليه بطريقة مباشرة، وكانت تربيتي على رأس اهتماماته. ـ كيف تبدو المرأة عنده.. وكيف كان يتعامل معها؟

والدي كان يحترم «المرأة»، فهي عنده الأم والأخت والابنة، فاحترامها عنده ليس له حدود، فالخادمة كان يعاملها باحترام شديد لكونها أنثى، وكان يطالبنا جميعا أن نحترمها ويغضب إذا حدث أن صدر منا أي شيء يضايقها..

وعندما اختار زوجته من فرنسا، كان هذا الاختيار قائماً على الفهم والإدراك، فقد كانت فنانة وواعية إلى كل شيء وصاحبة لمسة فنية، فقد كان يردد لي دائما أن حبهما ولد بهدوء.

فهي مرت عليه مثل السحابة الهادئة وعاشت معه أجمل سنوات حياته، كما أنه كان يردد أن المرأة هي أساس تربية الأجيال، وهي أصل الحياة، بجمالها وعقلها وثقافتها، فقد كانت والدته التي تولت تربيته وأخوته صاحبات فضل كبير عليه. ـ ما الذي اكتسبه من الحياة وتجارب عمره؟

الحكمة التي كان يؤمن بها ويرددها «يحيى حقي» دائما هي «اتق شر من أحسنت إليه بالإحسان إليه»، أي أن الإنسان لا يمكن أن يكون شريرا دائما على طول الحياة، فلو أحسنت إلى إنسان مرة وأساء إليك فلا تتوقف عن الإحسان إليه.

كما كان يؤكد أن «الكلمة الطيبة نعمة»، كانت فلسفته في الحياة تتلخص في عبارة «اتركها لله»، فهو دائما كان يرددها لي، وينصحني دائما أن أعمل وأتصرف بقدر ما أستطيع.

وأن أترك النتائج على الله، لكن لابد دائما أن نعمل، لأننا مثل الأمواج، إذا توقفنا نموت وننعدم، كان كتاباً مفتوحاً، نقياً، ظاهره كباطنه. رحلة طويلة ـ ما الذي استفاده من عمله كدبلوماسي وظهر في إبداعه؟

برغم الرحلات الطويلة والمحطات العديدة له والتي تركت آثارها عليه، بحكم تدقيقه الشديد في كل شيء، إلا أنه استمر معتزا بحضارته المصرية ونشأته في حي «السيدة زينب» الشعبي..فبدأت رحلته للخارج إلى السعودية ثم إلى تركيا التي شاهد فيها التحول الشديد من الحياة الدينية إلى العلمانية على يد «كمال أتاتورك» وكيف تبدلت الحروف من العربية إلى اللاتينية.

هذه التحولات أو الانقلاب في حياة تركيا كان لها أثر هام في حياة يحيى حقي، ومن المحطات الهامة أيضا كانت فرنسا التي اختار منها زوجته، واختلط بفنونها وكتابها .وأجرى مناظرات معهم ،وألف كتبا عن موسيقى الغرب، هذا الكتاب الذي حمل عنوان «تعالى معي إلى الكونسير»، هذا النوع من الموسيقى الغربية.

وقد ترجمت العديد من أعماله إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وكانت أهم هذه الأعمال «قنديل أم هاشم» الذي كان يقارن فيه بين الحضارة الشرقية والحضارة الغربية، كذلك «البوسطجي» الذي كان يحكي فيه الصراع الدائر بين الإنسان في القاهرة وأقصى الصعيد. ـ كيف جاءت فكرة كتاب رسائل يحيى حقي؟

ولماذا نشر هذه الرسائل؟ هذا الكتاب جاءتني فكرته وذلك من خلال اعتقادي أن الأديب بأعماله وشخصه يعد ثروة، لابد أن تصل إلى مالكها الحقيقي وهو القارئ، وهذه الرسائل عبارة عن لوحات فنية جميلة تحمل المشاعر الفياضة، لذلك رأيت أن أجمع هذه الرسائل في كتاب كي يعرف القراء يحيى حقي على حقيقته، فهذا من حقهم.

وهي أغلى ما أملك في حياتي بعد رحيله، وكثيرا ما أستعيدها وأنفرد بها فأشعر أنه أمامي ويحدثني. ولقد كتب مقدمة هذا الكتاب الأديب العالمي نجيب محفوظ، حيث استعرض فيها بعض ذكرياته مع والدي ورؤيته لأدبه وجوانب كثيرة من شخصيته.

بالإضافة إلى تقييمه لمادة هذا الكتاب. ـ هل كان لدراستك للأدب الفرنسي دافع لتجميع هذه الرسائل؟ بالطبع، ففي الأدب الفرنسي يوجد نوع يطلق عليه (الرسائل والاعترافات)، بحيث أن أي إنسان يريد أن يتعرف على شخصية الأديب عليه أن يقرأ رسائله واعترافاته، وهذا الكتاب لا يضم كل الرسائل التي بعثها لي والدي وإنما هو جزء منتقى من بين عدة فترات من السنين.

والقارئ لن يجد فيها مجرد رسائل أب إلى ابنته، لكنه سيشعر أنها مبعوثة إليه من خلال ما بها وتعرضها لهمومه ومشاكله، وسأقوم بتجميع رسائل «يحيى حقي» إلى «طه حسين»، حتى يرى القارئ الأسلوب الذي كان يكتب به إلى عميد الأدب العربي، هذا بالإضافة إلى رسائل عدد من كبار الكتاب والأدباء، والشخصيات إلى يحيى حقي.

القاهرة ـ «البيان»: