عرفت موريتانيا ببلاد المليون شاعر وهي أكثر الألقاب التصاقا بهذه البلاد التي يهتم أهلها بقرض الشعر أكثر من اهتمامهم بأي شيء آخر، فالشعر في حياة الموريتانيين كما يقول أحد الأدباء العرب هو «خبز جوهري لأبناء شنقيط، يأكلون منه ولا يشبعون.

وينهلون من نبعه ولا يرتوون»، لكن الساحة الثقافية في موريتانيا شهدت خلال العقدين الأخيرين ركوداً شديداً دفع أحد الصحافيين إلى القول ان الشعر في موريتانيا يعيش «حالة موت سريرية»، وهو ما جعل الحكومة الموريتانية الجديدة تضع ضمن أهم أولوياتها ترقية القطاع الثقافي وتفعيل الروابط والمنتديات الأدبية والشعرية والمسرحية في البلاد.

وزيرة الثقافة الموريتانية مهلة بنت احمد خصت «البيان» بأول حوار صحافي هذا نصه:

ـ كيف تصفين أسباب الركود الثقافي في البلد؟ وهل هناك استيراتيجية معتمدة للنهوض بالثقافة والشعر في بلد يصفه العالم العربي ببلد المليون شاعر؟

ـ رغم أن كل بيت موريتاني هو حالة ثقافية قائمة لها خصوصياتها التي وان لم تعد تواكب مجتمعا مدنيا في ظل وجود الدولة بمفهومها العصري ومؤسساتها إلا أنها لا تدع مجالا للركود الثقافي خصوصا مع استمرار تعلق الموريتانيين بمواسم «اليكطنة» موسم قطف التمور والحصاد والصيد والخريف وغيرها من المناسبات التي لا تخلو من ثقافة عفوية وغنية ومتنوعة.

هذا بالإضافة إلى النشاط المحظري الذي يعكس مرجعية البلاد وأصالتها، حيث عرفت على مر السنين بتسميات خالدة منها على سبيل المثال لا الحصر: بلاد شنقيط، وارض الرجال، بلد المليون شاعر.

وعن أسباب ما تسمونه الركود الثقافي أود أن أذكركم أن الإبداع الفكري عموما مرهون بحرية في التعبير والتصرف تلك الحرية التي ظلت مقيدة طيلة وجود البلاد الحديث، وبالتالي فان انعدام جو ملائم للإنتاج الثقافي يحكم على فقده.

كما ان البنى التحتية التي تدعم الإنتاج من دور نشر وتوزيع والإطار المؤسسي كقانون حماية حقوق المؤلف عوامل أدت إلى اختفاء الإنتاج باستثناء إصدارات قليلة وجزئية، وانطلاقا من هذا الواقع ننوي في إطار التوجيهات الجديدة للمجلس العسكري للعدالة والديمقراطية تحديث الإطار القانوني والضوابط التنظيمية للقطاع وسنعمل بإذن الله على ترقية القطاع الثقافي.

واستعادة الدور الرائد لبلادنا في النهضة الثقافية بالمنطقة واستغلال تعدد المشارب الثقافية التي تعتبر ثروة لا مثيل لها وبطبيعة الحال فان الثقافة الحية وخاصة الشعر له نصيبه في إطار هذه الجهود.

ـ يعاني المسرح على غرار الثقافة والشعر من مشاكل وعوائق كبيرة فهو حبيس مشاهد فلكلورية غير هادفة ولم يستطع الوصول إلى مرحلة النضج وملامسة الواقع رغم مرور عقدين من الزمن على المحاولات المسرحية الأولى التي بدأها الشاعر والسينمائي الراحل همام فال؟

ـ من الإجحاف عقد مقارنة بين المسرح والشعر في موريتانيا، فالشعر في هذا البلد كاد أن يكون طبيعياً بينما المسرح حديث في بلادنا ونسبيا في الثقافة العربية كلها، ولا يفوتكم أن المسرح حليف أو وليد التمدن بصفة عامة وبالتالي فان تطوره في بلد ما يحتاج إلى نمو في التمدن والعقليات، إلا انه بالرغم من واقعه الراهن ستسعى الوزارة إلى دعمه في إطار الجهود المبذولة على كافة المستويات.

من خلال تنظيم تظاهرات ثقافية وتكثيف الأنشطة المسرحية والسعي إلى تشييد مسرح وطني ودعم تكوين الناشطين في هذا المجال، إلا أن الثقافة تضم مكونات مهمة أخرى غير الشعر والمسرح.

فتراثنا الغني سواء بطابعه المحسوس وغير المحسوس يحتاج إلى الصيانة والتطوير والتثمين وستنصب جهود القطاع في هذا الاتجاه إن شاء الله ، فالتراث غير المادي مهدد بعوامل بيئية واندثار، ويحتاج إلى عمل عاجل لصيانته والتعرف عليه والتراث المادي كالحقول الأثرية بحاجة هو الآخر إلى عناية خاصة للقيام بالحفريات والدراسات اللازمة، وحماية الموجود منه.

ـ تتولين وزارة تشرف على عدة مجالات شائكة ومعقدة هي المسرح والشعر والشباب والرياضة. هل تحمل مهلة أفكاراً جديدة لتطوير هذه المجالات؟ أم ستعتمدين على تفعيل الاستراتيجيات السابقة؟

ـ هناك استراتيجية لتطوير الثقافة لا تخلو من الثغرات إلا انه ستتم مراجعة نواقصها. كما أن الإرادة الصادقة والتطلع إلى الأفضل سيظلان القاعدة الأساسية لتحركنا في المجال الثقافي، وسنسعى إلى إثراء الساحة الثقافية من خلال تعميق مفاهيم معينة كحرية التعبير عن الأفكار والهويات الثقافية.

وضمان مشاركة كل المهتمين بالحياة الثقافية حتى ينبثق الإبداع الثقافي ويتنوع ويتم وضع أسس سليمة لتطوير ثقافتنا لتستعيد دورها ومكانتها المناسبة، وسنحاول على مستوى هذا القطاع وضع الآليات الكفيلة بإعداد خطط وطنية شاملة للنهوض بالنشاطات الثقافية، على ضوء متطلبات المرحلة الراهنة.

وتمشيا مع الأهداف المحددة، وربما لمست كصحافي النية الصادقة والصرامة فيما يصدر وصدر عن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية والحكومة من ترسيخ مناخ الحرية الذي لا غنى عنه للنهوض بأي نشاط لاسيما النشاط الثقافي، أما الشباب والرياضة فهما قطاعان متكاملان.

فالشباب في موريتانيا يمثل حسب آخر الإحصاءات أكثر من نصف سكان البلاد، والرياضة نشاط كفيل باستيعاب واستقطاب الطاقات الكامنة في هذا العنصر المهم والثقافة من هذا الشباب وإليه إذ أنه هو العامل في الحقل الثقافي وهو جيل الغد الذي ينبغي تسليحه بثقافة أصيلة تسهم في محاربة الانحراف والجنوح في صيانة موروثنا الثقافي وتطويره.

أما عن أفكاري الخاصة فإنني أرى أن التوفيق بين ثقافتنا الحية وموروثنا الثقافي وبين متطلبات العصر أمر ضروري وان العمل الثقافي والشبابي والرياضي لن يكون ناجحا ما لم يكن ترجمة لتطلعات المستهدفين وآراء العاملين عليه، أي بعبارة أخرى تطلعات المجتمع المدني في كل مكوناته، ولن يكون ذلك إلا بإشراك فاعل لذوي الخبرة في القطاع والفاعلين ذوي الشأن والقطاع الخاص وصدق من قال «إذا تزاحمت العقول خرج الصواب».

ـ حصلت على جائزة المرأة العربية المتميزة لسنة 2005 التي تشرف عليها جامعة الدول العربية وتقودين إحدى اكبر الوزارات في موريتانيا هل تعتقدين أن المرأة الموريتانية قد وصلت إلى مستوى كبير من التطور والتقدم؟ أم ان هناك عوائق وصعوبات تقف حجر عثرة أمام وصولها كشريك أساسي إلى مرحلة صنع القرار؟

ـ أشكركم على إثارة كل هذه القضايا كما أعبر عن ارتياحي للحصول على جائزة المرأة العربية المتميزة لسنة 2005، التي نلتها من قبل مركز دراسات مشاركة المرأة العربية بدبي بإشراف جامعة الدول العربية.

نواكشوط ـ بشير ولد ببانة: