بعد اتفاق أوسلو شهدت الساحة الفلسطينية كماً كبيراً من الروايات، منها على سبيل المثال لا الحصر: «بقايا» (1996) للدكتور احمد حرب، «ونهر يستحم في البحيرة» (1997) للروائي يحيى يخلف، و«مقامات العشاق والتجار» (1997) للروائي احمد رفيق عوض.
ورواية «العين المعتمة» (1996) للشاعر زكريا محمد... وإن كان ثمة تباين في علاقة الروائيين بالمكان- أي منهم من هُجّر مع أسرته إلى خارج فلسطين عام 1948 وعاد إليها بعد أوسلو كيحيى يخلف، ومنهم من هُجّر داخل فلسطين، وعانى مع غيره من الروائيين ظروف احتلال عام1967 كأحمد رفيق عوض.
ومنهم عاش في الضفة ومنهم من عاش في غزة- فإن القاسم المشترك بين جميع أعمالهم هو سيطرة الفردانية، والرغبة في الجدل وطرح قضايا لم تطرح في الماضي، وابتعدت أجواء حركة التحرر الوطني لتحل محلها المظاهر التي صاحبت ميلاد السلطة، مما استدعى نصاً روائياً مختلفاً وجديداً على مستوى الشكل والمضمون، ملتفتاً إلى الداخل متصدياً لحساب النفس وجلد الذات.
فالعلاقة بين السياسي والثقافي أصبحت واهية جداً بعد أن اكتشف المثقف الفلسطيني بعد أوسلو حجم الخديعة، وذاق مرارة الفشل، ولم يعد الفدائي مقدساً، وصار الفلسطيني إنسانا عادياً، وصارت الثورة وجهات نظر يمكن الاختلاف حولها، كما يمكن الاختلاف على الكفاح المسلح، وحتى على الاستشهاد..
وبدأت تظهر في الروايات - كما قال الروائي أحمد رفيق عوض في أمسية له باتحاد الكتاب- صورة البطل المهزوم، كما في رواية (بقايا) لأحمد حرب..أو إيصال فكرة أن الثورة الفلسطينية أنجبت أولاداً مشوهين كما في رواية (خطوات في الظلام) لعزت غزواي. وانتهت بعض الروايات بنهايات مأساوية.
مما يعكس حقيقة نفسية في تعبير المثقف عن مجتمعه وأحلامه، من خلال تقديم نموذج البطل المتردد والمتشكك كما في رواية محمود شكر (الظل الآخر للمدينة)، و(الضوء الأزرق) لحسين برغوثي، و(جفاف الحلق) لغريب عسقلاني.. وعملت بعض الروايات على تغيير النظرة إلى الآخر والانفتاح عليه، وتحسين الصورة النمطية لليهودي التي كانت قبل أوسلو، وإمكانية التحاور معه وإيقاظ الإنسانية في داخل هذا المحتل، وهي مفارقات تدل على التسرع والضبابية في الرؤية، فما تشكل تاريخياً لا يمكن أن تزيحه قيد أنملة جرة قلم..
ومع كل هذا مازالت الرواية الفلسطينية متأخرة في نقدها للواقع مقارنة بخصمها، ففي أوائل الثمانينات، كتب الروائي الصهيوني « عاموس عوز» على لسان الراوي في كتابه«بكائيات أحد قدامى الصهيونيين »، يقول: أخرج إلى العمل في الرابعة أو الخامسة صباحاً....
العرب يبكرون إلى العمل، واليهود يواصلون النوم. عندما كنت شرطيا زمن الانتداب، كان حلمي أن نقيم (دولة عبرية ) دون بوليس ولا سجون، وأن نكون حقا (شعب الله المختار)، لماذا تحولنا إلى شعب من السماسرة والحرامية والشحاذين والطفيليين والمجرمين والغاصبين؟ ماذا حدث لنا؟ ربما أننا فقدنا أخلاقنا على الطريق، وربما أن هذا حدث، بسبب (حروبنا مع العرب). لقد جلبت لنا الحروب ( الأموال الأميركية) الرخيصة،إنها تنتقل إلينا كالأوبئة.
الدولة فقيرة، والمواطنون أغنياء، يتطلعون إلى المستقبل بشراهة. كلهم يشترون ويبيعون، ويبيعون ويشترون: الأراضي، وأسهم البورصة. يزنون، يطلقون نساءهم، وينجبون الأطفال، ثم يرمونهم في صناديق القمامة؛ لكي لا يزعجوهم في لهوهم وسمرهم..