أعلن «لويس عوض» منذ زمن طويل، وفي مقدمة ديوانه «بلوتولاند وقصائد أخرى» إن الشعر العربي الكلاسيكي قد مات بموت شوقي. وأن الجيل الحالي يختلف عن جيل شوقي، فهو جيل معذب ثائر يقرأ «إليوت» ولا يقرأ «البحتري»، إنه جيل يتسع قلبه للإنسانية جمعاء. ربما تحمل هذه المقاومة تحرشاً بالتيارات الأخرى.

كما انها تحمل قدراً من عناصر التصور الفكري الاجتماعي والسياسي الذي يكمن وراء انفجار حركة الشعر الحديث، فأنصار المذهب الكلاسيكي أصروا على جزالة اللفظ ووضوح المعنى، بينما جاء أنصار المذهب الرومانسي بكلمات «ناعمة» لم تكن قادرة على تقديم رؤية لصهر اللغة، وكان الشاعر الكلاسيكي يرى أن وظيفته تتلخص في تقديم نماذج من الرثاء والهجاء.

بينما غرق الرومانسيون في ذواتهم. ولهذا فقد صدم كلا المذهبين حينما جاءهم جيل جديد يرى في اللغة عالماً كاملاً. لغة قادرة على التجاوب الخلاق مع العالم الذي يرد الشاعر تغييره. صدموا حينما هبط الجيل الجديد باللغة من بلاطها الملكي إلى شوارع المدينة المعاصرة، وقالوا إنها انعطافة خطيرة باللغة من الجلال إلى الابتذال.

ولم يكتف الجيل الجديد بهذا، بل أعلن تذمره من وظيفة الشاعر التقليدية، لتمثيل هيكل القيم الإنسانية والشعائر والطقوس. وقال أنصاره إن على الشاعر أن يقدم صياغة لما هو قائم حتى يرضي الكيان الاجتماعي الذي يعيش فيه، وبهذا اختلفت رؤيتهم مع الرومانسيين الذين وصفوا بأنهم «شعراء الأبراج العاجية».

ومهدوا لظهور تيار الواقعية الذي رأى أن وظيفة الشاعر هي كشف علاقات جديدة بين الأشياء وتجسيد المعاناة، وحينما جاءت هزيمة 1967 سارع شعراء المذهب الجديد إلى استلهام التراث من خلال ملامح جديدة تهدف إلى تجاوب الأصوات العربية مع بعضها البعض، وعثروا بالفعل على الشعاع الباقي الذي ينظمهم، فسارعوا إلى التواصل مع الأدب العالمي بصورة حقيقية تمثلت في البحث عن ذوات الآخرين والتعبير عنها. والآن نحن نطرح السؤال مجدداً.

هل ماتت المذاهب الأدبية. أم أنها مازالت مستمرة في عطائها بتطويرها وتغيير جلدها لمواكبة الحديث والمستجد؟ وإن كانت تموت فمن الذي يعلن عن موتها؟ أما إذا كانت تتطور فمن يتولى مهمة تطويرها؟

وجهّنا السؤال للناقد د. جابر عصفور الذي اقترح تغيير السؤال إلى: النظريات الأدبية هل تموت؟ لأن النظرية أعمق وأشمل من المذهب، وقال: أهم ما يميز هذا العصر هو اختفاء النظريات المطلقة، فلا توجد نظرية صالحة لكل زمان ومكان، فكل عصر وله نظريته النقدية التي تصلح له وقد لا تصلح للمستقبل، لكن ليس معنى القول بموت النظرية، فلا تموت النظرية أبداً.

ولكنها يمكن أن تتراجع ثم قد تظهر مرة أخرى، ويضرب لنا مثالاً بنظرية الشعر والمحاكاة الأرسطية، تلك النظرية التي بدا لبعض الوقت أن الزمن قد عفا عليها، وأنها ماتت ودفنت.

ولكن شهدت العقود الأخيرة انتعاشها. كذلك هناك نقاد تأثروا بالبنيوية، لكنها تراجعت في الغرب، بعد أن أدت دورها، وتركت الساحة لغيرها من النظريات، فالنظريات النقدية أو الأدبية لا تموت ولكنها تتوارى خلف إحداثيات وتجاوزات رهانية في المستقبل، فالحداثة ربما تختفي بعد أن تؤدي دورها ولكنها لا تموت، ويمكن إحياؤها من جديد في حالة وجود ظروف موضوعية، وتاريخية تستدعي ذلك للإحياء.

وينتقد د. صلاح فضل فكرة موت المذاهب الأدبية، فرؤيته أنها متراكمة، تتفاعل مع الواقع ليأخذ منها ما يناسبه ويطرح الآخر جانباً، فليس تراجع البنيوية في فرنسا، ألا نأخذ بها، وألا نعتمد عليها خاصة إذا كانت لا تزال قادرة على العطاء بمنهج متميز لدراسة النصوص الأدبية والكشف عن مكوناتها وعناصرها الثقافية المبدعة.

حق الحياة

ويتفق الناقد إبراهيم فتحي مع الرأي السابق بقوله: المذاهب التي لا تتطور تموت، وهذا أمر طبيعي، والصراع بين الكلاسيكية والرومانسية كل منهما كان يدعي حق الحياة ولكن البقاء دائماً للنظرية التي تجدد نفسها ولا تتحول إلى دوجما ثابتة، لذلك فالمذاهب الأدبية تموت أحياناً.

ولكنها غالباً ما تجد لتلاحق الراهن والمتغير، وكل مذهب أدبي جديد يظهر يعطي لنفسه حق التحدث الرسمي باسم الأدب، ويحاول دفن كل المذاهب الأخرى ليقوم على أنقاضها، ولكن ثمة مبادئ عامة لا تموت، وغالباً ما يحدث هو تغيير أردية، والأصول ثوابت فبدلا من «نظرية التعبير» نستخدم مصطلح «القراءة»، وبدلاً من استخدام لفظ «يري المؤلف» نقول «النص» وتغيير المصطلحات هو محاولة للإبقاء على النظرية أو المذاهب.

أما الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي فيرى أن الذين يساهمون في خلق مذهب أدبي جديد قد يبدأون هذا في محاولة منهم لتطوير المذهب القائم. فبداية الرومانسية كانت على يد أحمد شوقي الذي عمل على توسع الكلاسيكية لتستوعب الجديد الحادث في ذلك الوقت الذي كان يعيش فيه. وليس لإحياء المذهب الكلاسيكي القديم، والذي كان من شأنه إظهار روح المذهب الرومانسي في شعر شوقي.

وكان للناقد الراحل د.شكري عياد رأي مهم في هذه القضية مفاده أن المذهب الأدبي يعطي دائماً علامات لموته، تتمثل في عجزه عن قبول التغير الحادث والتوافق معه، وخاصة إذا كان ناتجا عن استجابة لحاجة اجتماعية مستجدة، فالمذهب الكلاسيكي انكسر حين عجز عن التعبير عن المجتمع.

ولم يستوعب تجديد البارودي وشوقي الأحداث المتغيرة، لأنه كان تغييرا في شكل المذهب لا في جوهره مما ساعد الرومانسيون على أن يعلنوا الجنازة ويشيّعوا المذهب الكلاسيكي ويقوموا بتأسيس المذهب الرومانسي الذي تعامل مع العواطف الإنسانية من خلال الخيال والأحلام، ولكن سرعان ما تحولوا إلى الظلام والكآبة حتى سقط المذهب. أما القول بعودة الرومانسية استناداً إلى ارتباط الناس بشعر بعض الرومانسيين.

فأنا أرى أنه نزعة رومانسية وليست عودة للمذهب بما تحمله كلمة مذهب من معان، وبما يحمله المذهب من سمات وقدرات تمكنه من امتلاك الساحة الأدبية. إن المدرسة الواقعية لم تنل حظاً أوفر من سابقيها، فربما تشيّع جنازتها هي الأخرى قريباً! بل يخيّل لي أنها قد شيعت بالفعل، فقد انقسم الواقعيون على أنفسهم إلى واقعيين موضوعيين وواقعيين قوميين.

بيد أنه وعلى الرغم من التداخل في القضايا المفروضة والمشكلات والاهتمامات بينهم إلا أن أنصار الحداثة الذين اختاروا لأنفسهم مهمة البحث عن المرء وصورته في المرآة، وليس البحث عن القلب. سيطول مداهم، لأنهم يعتمدون على حركة تجريب عميقة في مجال تطويع اللغة، وتشكيلها. وفي النهاية لا أستبعد أن تسقط الحداثة على أيدي مؤسسي مذهب شعري جديد لم تتحدد معالمه بعد.

ألاعيب السيرك

الشاعر فاروق شوشة يذكر أن شعر أبي تمام والبحتري بما فيه من رنين وجرس موسيقي يجعل الشاعر يقف متأملاً طويلاً أمام الإبداع المحكم والذي من شأنه أن يضفي على قارئه ملكة إدراك وامتلاك الأدوات الشعرية. ويؤكد أن المدرسة الجديدة التي يكتب أنصارها بطريقة الشعر الحر.

هي الضيفة الشعرية الجديدة التي تمثل العصر. وبدأت حينما بدأ جيل الستينات في العالم العربي في وضع صياغة جديدة قادرة على الحفاظ على سلامة الأداء الموسيقي في القصيدة العربية. ثم جاء جيل السبعينات وامتلأ الشعر «بألاعيب السيرك». وحدثت الفجوة بين القارئ والمبدع مما أدى إلى عزوف الكثير عن قراءة الشعر ومازال الصراع مستمراً لم يحسم بعد. ولم تعرف خاتمته، ولذا من الصعب القول بموت مذهب وبعث آخر.

ويستنكر الناقد د. مجدي توفيق تصور موت أحد المذاهب الأدبية موتاً كاملاً، فذلك يعني الفناء، ويقول: في ظل تلك المتغيرات العالمية مع ثبوت النظريات التأسيسية لا يمكن تصور هذا الشكل النهائي من الفناء، وأبدى ضرورة الفصل بين التطور في المفاهيم والأيديولوجيات وبين ما هو كائن بالفعل فلا يمكن الحجر على ناقد يرى العمل الفني من خلال إحدى النظريات الوضعية الموجودة.

ولو من عصور مرت، فالسلوك حالة إبداعية تلقي ظلالها على العمل، فتأتي مذاهب الدراسة النفسية في المقام الأول لتحليل الجوانب الخفية، ولا يزال النقاد يستفيدون من تلك المذاهب برؤاهم الخاصة، إذن هي باقية حتى لو ضمرت قليلاً فهي في تشكيلنا العام ولا يمكن تجاهلها.

أما الناقد د. محمد فكري الجزار فينظر إلى الموضوع من زاوية أخرى بقول: إن معظم النظريات الموجودة بالفعل تتعامل مع العمل الفني بما يسمى أسبقية التناول، متجاهلة تماماً تلك الفجوة القائمة بين النظرية «المُعدة سلفاً» فكيف يمكن مثلاً تناول صفحة بيضاء في متن النص؟! نعم المذاهب الأدبية موجودة، ولكنها لا تتواكب مع التطور الهائل في أيديولوجية البناء.

فمثلا لا يوجد مذهب يتحدث عن نصيّة العنوان والقضايا كثيرة، المذهب الأدبي الباقي هو ذلك الذي يعتمد في عمله على مواكبة النص للمدهش والصاخب والفعال.

ويعتمد كذلك على قراءة بنية النص من الداخل، فهذا المذهب المستقبلي هو ما نراهن على عدم موته مثل بقية المذاهب التي تتصارع من أجل اللاشيء وتبقي قضايا أساسية قائمة مثل اللغة ونظرية الأدب وفقاً للنص والعنونة وغيرها من الإشكاليات التي تحتاج إلى مذهب حيوي فعَّال يتفاعل مع النص دائماً على اختلاف الزمان والمكان. (وكالة الصحافة العربية)