كان الوقت ليلاً، مليئاً بالضجر لولا بعض الأحداث السياسية الساخنة التي يبثها التلفاز سرعان ما نفقد شهية متابعتها إعمالاً لمبدأ (لا حول ولا قوة) مشطت بعيني رفوف الكتب المتراصة أمامي علني أعثر على ما أدثر به يومي..
ولأن معظم العناوين مسطورة على كعوب الكتب فقد لفت انتباهي وجود كتاب يخلو كعبه من عنوانه، وعندما دفعني الفضول إلى إخراج الكتاب من هذا الركام أحسست حين طالعت عنوانه بأن القدر اوجد تزامنا عجيبا بين ما يعتمل في صدري منذ زمن وموضوع الكتاب الذي أظنه ضالتي في هذه الليلة.
كان الكتاب في طبعته الثالثة الصادرة عام 1978، ولا أتذكر مدى قيمته لي عندما اقتنيته، لكنه بالتأكيد يعني لي الكثير الآن، عنوان الكتاب (تيارات ثقافية بين العرب والفرس) لمؤلفه الدكتور أحمد محمد الحوفي.
وهو يتضمن رحلة رشيقة ـ بمعنى ابتعاده عن التفاصيل المملة ـ كي يصل إلى هدفه الأسمى عن الدسم الثقافي الذي يكتنف تاريخ هاتين الحضارتين، والمصاهرة الإنسانية التي طالت الإدارة والسياسة واللغة والعلوم والتأليف والنثر الفني والشعر، ثم يختم الكاتب بدور الإسلام في تعميق وتجسير هذه العلاقة الاستثنائية.
والمتصفح لفصول الكتاب تأخذه الدهشة حيال التداخل الحياتي الذي بدأ مبكراً جداً منذ عهد الملك قورش (550 ق م)، وأيضا المجهود المضني والبحث الدؤوب الذي بذله الكاتب بين متون المراجع وهوامشها لاستخراج الدرر التي ترصع هذا الزخم الحضاري الذي يتعرض للبهتان والتغييب.
والسؤال الذي لا يمكن لكل ذي نخوة حضارية أن يتهرب منه أو يتنصل من تبعات الإجابة عنه: من المسؤول عن هذا الخطأ الشنيع الذي يرتكب في حق ما يجمع بين الحضارتين ؟
سمعنا كثيرا عن (القوة الناعمة) المتمثلة في المفكرين والمبدعين والمثقفين وانخراطهم في صراعات مع سلطات بلادهم للحصول على مكتسبات وطنية.. سمعنا عن ثقافة (إعرف عدوك) التي تدعو إلى ترجمة نتاجات بني صهيون رغم أن بهم ما بهم، فضلاً عن المشاريع الضخمة التي سخرت للآداب والثقافات الغربية.. فإذا كنا نبارك هذا الخطوات ونؤمن بأهميتها فأين نصيب حضارة الإيرانيين من ذاكرة التواصل الثقافي ؟..
كيف نسمح للسياسة أن تكون اللاعب الوحيد بكل ملاعيبه وألاعيبه أن يتحكم في صياغة علاقات تتسم بثقل تاريخي غير مشهود مقارنة بما نحن مشغولين فيه؟
كان يجب أن نعي أننا في عصر يحتاج منا أن نستدعي كل ما هو إنساني حتى نخفف من وحشية وصلف كل ما هو سياسي.. علينا أن نفهم أننا أمام مهمة تاريخية لانتشال منجزات الثقافتين من مستنقع المؤامرة الحضارية التي تنسج على أيدي سماسرة الغباء والتجهيل.
يكفي أن نعرف أن مبنى الأمم المتحدة الذي تحاك فيه كل الوشايات السياسية هو نفس المبنى الذي تتصدر واجهته أبيات شعرية لسعدي الشيرازي أحد أعظم شعراء إيران.
تقول إحدى الحكايات الشعبية أن رجلاً كان يمتلك ديكاً ونعجة وبعيراً، وفي أحد الأيام استيقظ الرجل ليكتشف سرقة الديك من الحظيرة فطلب من أولاده البحث عن سارق الديك، لكنهم تقاعسوا، وفي يوم آخر اكتشف الأولاد سرقة النعجة فأخبروا والدهم فقال لهم: ابحثوا عن سارق الديك، لكنهم تجاهلوا الأمر.
وفي يوم ثالث اكتشف الأبناء سرقة البعير فأخبروا والدهم، فقال لهم: حسناً ابحثوا عن سارق الديك، الحكاية تدعو متأملها إلى معرفة أن الداء يستفحل حين نتجاهل أصله..
لذلك نسأل متى سيتوقف هذا النزيف الثقافي؟.. من المسؤول الحقيقي عن اختطاف حضارة الروح من سيرة الحضارتين ؟.. علينا الإجابة سريعا قبل أن يأتي يوم نندم فيه على تكاسلنا، ويصفعنا التاريخ حين نقر بتفريطنا في البحث عن سارق الديك.. وربما خانقه.