الفنان التشكيلي اللبناني حسين ماضي، من مواليد مزارع شبعا عام 1938، يعتبر من الرواد الذين واكبوا تطور النحت والرسم والحفر من جهة، ومن أوائل من أسسوا لمفاهيم جديدة للفن الإسلامي من جهة ثانية، اذ يرى أن الفنانين الغربيين حين زاروا الشرق.

ومن ثم رسموا الأزياء والحروف وما يسمى بالارابسك، أطلقوا على هذا التداخل بين تلك العناصر «الفن الإسلامي» بينما الفن الإسلامي يرجع إلى مبدأ تكوين الكون..

ويضيف ماضي في حوار مع «البيان» على هامش المعرض الذي اقامه في صالة أرت سبيس في دبي. ان الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء بحساب وقدر، وهذا يعني انه لا يوجد شيء مخلوق بالصدفة، كل ما هو مخلوق له حياته الخاصة وشكله ووظيفته وحاجاته.. وعندما نقرأ مبدأ تكوين الكون.

ونعترف ان كل شيء مخلوق بحساب وبقدر ندرك ما هي هوية الفن الإسلامي وما هي مبادئه فالشجرة مكونة من جذور وجزع وفروع وأوراق وكل الأشجار تشترك بتلك الخصائص لكن لا توجد شجرة تشبة الثانية ولا ورقة تشبه ورقة ومن هنا الكون مكون من وحدات ولكل وحدة وضعها وحجمها وعددها ولونها.. أربعة أسس يقوم عليها مبدأ تكوين الكون، ولا يمكن أن تتجاوز هذا المبدأ..

وحسين ماضي ـ كما يقول ـ يأخذ هذه الوحدات من الطبيعة، يفككها على مفاصلها ويعيد تكوينها من جديد، وحين لا تكون كما كانت، يكون الإبداع، ولانه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فإن الجهد والخبرات تميز فنانا عن فنان وفنا عن آخر، والموهبة تشكل 5% بينما المثابرة والاطلاع والقراءة تشكل 95% من حياة الفنان وعمله وإبداعه.

ومن هذا المنطلق كل شغل «ماضي» محسوب أيضاً، فهو قبل ان يقدم على السطح الأبيض أو يلوّن اللوحة بالأبيض تكون الافكار حاضرة في ذهنه، ويرسمها بقلم الفحم، وان حدثت فيما بعد بعض التغيرات فستكون طفيفة، وهذا ينطبق أيضاً على النحت، فالفنان يرسم أولاً على الورق المقوى أو الكرتون، ويشكله كمنحوتة.

ومن ثم يضع الورق على صفحة من الحديد الرقيق ويحدد حجمها النهائي، يأخذها إلى الحداد كي يشكل منحوتته بمساعدة الحداد وباستخدام الآلة والنار، ولكن دون ان يقص أو يلصق أي قطعة مع الأخرى، فالفنان ماضي كما يؤكد لا يحب ان يضيف إلى خامته أية تدخلات قسرية، إضافة إلى أن القص والتلحيم والتنظيف تأخذ وقتاً أطول وتشوه نقاء المادة الخام..

ويرى أن أساس كل شيء بالفن التشكيلي هو الرسم المحسوب بالطول والعرض والارتفاع بالمعنى الهندسي الدقيق، ولذلك لا داعي «للترقيع» وكل ما كانت قراءة الأشياء واضحة وصحيحة، كل ما كان العمل أسهل وأسرع وأجمل..

وعما يخص اللجوء للطبيعة في حالة النحت والهروب منها في حالة الرسم، يقول ماضي إنه لا يعيد رسم الطبيعة، بل يكتب بالاشكال والألوان ما هو في فكره وما بداخله من إحساس، صحيح ان العناصر من الطبيعة.

لكنه يأخذ الوحدات ويفككها على مفاصلها ويعيد تركيبها، فليس هناك ما يسمى التجريد، بل إعادة تكوين لانه لا يمكننا ان نخلق ما هو موجود، الخالق هو الله، وخلق كل شيء بحساب وبقدر، وحين يختلف الحساب يختلف الموجود.

قادنا هذا الطرح إلى أسئلة جديدة عن علاقة الحداثة بالتجريد وتأثر الفنانين العرب بالفن الغربي، فاوضح ماضي ان الفنانين العرب 99% منهم مهزومون، مهزومون أمام الفن الغربي وأمام أنفسهم لانهم بحاجة إلى من يعترف لهم أنهم فنانون مهمون، ومنهم من يحاول الهروب من هذه الانهزامية بتشبيه اعمالهم بالفن الغربي، لان الفن الغربي برأيهم له حضوره.

وهو الأفضل والأرقى والأكثر انتشاراً وتأثيراً.. الخ. وهذا ما يجعلهم يخوضون تجارب مليئة باللامعقول والغرائبية، فالحداثة لا تعني ان نقدم أعمالاً تعتبر مميزة لان الإنسان العربي لم يرها بعد أو لم يرها من قبل، فهذا من باب الاتكال على جهل القارئ العربي وضعف ثقافته الفنية وليس الاتكال على تقنية العمل وتميزه وجودته..

وأضاف ماضي ان الحداثة موجودة من أيام الحضارات القديمة، كحضارة ما بين النهرين، وعلى الفنانين ان يقرأوا الأعمال ويروا الحداثة كيف تبسط الأمور، ويروا كم هو مبسط رسم النخلة أو الحصان أو الطير، عليهم ان يتعلموا الاختزال الموحي الدال الجامع بين البساطة في الشكل والعمق في المعنى..

فالحداثة لا تعني التجريد حتى الوصول إلى أشياء مبهمة غير مفهومه، التجريد هو ان نجرد ما نريد من الواقع من وظيفته الواقعية ونمنحه وظيفة جمالية من ناحية الشكل واللون، فكل شيء موجود في الحياة له مصدر في الواقع، والإنسان الفنان ليس هو الخالق.. هو المكتشف وصاحب التجارب المتعددة والمتطورة التي تصل به لصناعة فن حديث.

وبالنسبة للتصنيفات المدرسية المتعلقة بالتعبيرية والتجريدية والسريالية.. وغيرها قال ماضي: أنا لا اؤمن بأي تسميات مدرسية، هناك تسميات لمراحل في العمل، والتنوع لدي منبعه انني اقرأ كل الفنون القديمة والحديثة.

والرغبة بأن أرى على الصفحة ما أفكر به أو أشعر به دون أية رموز أو أساطير أو أي دلالات ومرجعيات وتسميات وتصنيفات من هذا القبيل أو ذاك. فمرجعيتي الطبيعة ومبدأ تكوين الكون.

وعن علاقة الحروفية بالفن الإسلامي قال ماضي: ليس للحروفية أي وجود في الفن التشكيلي، هؤلاء مدعو العودة إلى التراث، العودة إلى التاريخ.. من فشلهم في قراءة الطبيعة والفنون القديمة والحديثة، ضاقت أمامهم الطريق، فامسكوا بالحرف العربي، وليس هم بخطاطين ولا هم برسامين ..

هم مثل الغراب الذي أراد أن يتعلم مشية الحجل، فلا تعلمها، ونسي مشيته.. الفن التشكيلي ليس فناً أدبياً، واللوحة لاتمثل سرداً قصصياً أو روائياً.. الأشكال محل الكلمات، ومن كان بعيداً عن معرفة الأشكال والألوان، لن يصل لأي معنى.

وبما ان الحديث عن قراءة اللوحة يرتبط بالمتلقي والناقد كان رد الفنان حسين ماضي عن السؤال المتعلق بذلك أن النقد الحالي هو مجرد آراء شخصية، ولا يوجد نقد حقيقي وتحليلي، لان الناقد عليه ان يكون على معرفة تامة بالفنان، يتابعه ويحاوره ويعايشه حتى يستوعب كيف يرسم ولماذا يرسم وما هي مرجعياته..

وغير ذلك هو مجرد (صف حكي) وبالنسبة للهوة بين الجمهور والأعمال التشكيلية، ارجع ماضي سبب ذلك إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع من جهة، وإلى الأنظمة الحاكمة من جهة ثانية، حيث يرى أن هناك خوفا دائما من المعرفة التي تؤدي بالناس للمطالبة بحقوقهم، مما يزعج استقرار الأنظمة ويهدد وجودها.. وارجع إلى كل ذلك استمرار هجرة المبدعين والعقول المفكرة.

ومن هجرة العقول إلى عالمية الفن وعالمية اللوحة، يرى ماضي انه لا توجد لوحة عالمية، بل هو موضوع إعلامي بحت، فأي لوحة تنال الاهتمام الإعلامي والإعلاني بشكل لافت، ستصبح لها قيمة مالية متزايدة حتى لو كانت لا تساوي «صرماي عتيقة» وخاصة في هذا الزمن، زمن العولمة.

حوار: محمود أبو حامد