الدخول إلى عوالم شخصيات الكاتب الروسي تشيخوف يتطلب التعاطي مع الأبعاد العميقة في دواخلها، فالذي اشتهر عن مسرح هذا القاص والكاتب الذي سلط قلمه لانتقاء شخوصه من القاع الروسي ومواجهة الطبقة الأرستقراطية بها هو الواقعية الشفافة التي تتطلب تعاملا حذراً ودقيقاً معها.

ففي مسرحيته القصيرة «الدب» يذوب تشيخوف الجدران الجبلية بين رجل من القاع وامرأة ثرية تنتمي للطبقة البرجوازية في حدث بسيط هو التقاء الأول بالشخصية الثانية لاسترداد دين قديم، رجل له وجه نظر في المرأة، هي مقاييس الرجل الريفي الذي يرى أن زيف المرأة ناتج عن دلعها وغنجها المبتذل..

يلح هذا الرجل الدب، أو الفلاح البسيط في طلب استرداد دينه وفي الحال ،إلا أن المرأة الأرملة التي رحل عنها زوجها الذي تحب وانكشاف علاقته بنساء أخريات غيرها لها لم يثنها ذلك عن التمسك بذكراه الطيبة وحبه لها..

هذا الفلاح الذي حوله المخرج البحريني الشاب محمد سويد إلى فلاح «جلف» هو عنوان المسرحية التي عرضها في إطار فعاليات مهرجان آوال المسرحي ليلة أمس الأول سيفلح في النهاية في تحطيم الحاجز الطبقي بينه وبين الأرملة ،وستقع هي الأخرى في حبه، وسوف يسقط الفلاح البسيط في فورة الحب كل أرقام الدين وسيتنازل عنه إلى الأبد..

دخل محمد سويد وممثله يعقوب القوز الذي يواجه الجمهور للمرة الأولى كممثل مسرحي بجانب الممثلة البحرينية الشابة نجية زينل في عوالم تشيخوف من خلال هذا العرض المعد عن مسرحية «دب».

وكان الدخول اشبه بالوقوع في شبكة واسعة مغلقة، كما هي الشخصيات التشيخوفية دائما، لكن ببساطة الفكرة الإخراجية وباعتماد اختزال مفردات المكان من ديكورات وإكسسوارات استطاع أن يؤسس فرجة مريحة جعلت جمهور الصالة يتابعها بهدوء تام..

«الجلف» عرض يعد من ضمن ثلاث تجارب مسرحية أعضاء فرقة آوال البحرينية في مهرجانهم الثاني، وعلى مدى ثلاثين دقيقة هي زمن العرض استطاع الممثل القوز والممثلة نجية أن يحيلا فضاء العرض إلى لعبة صراع هادئة تنتهي بالوقوع في الحب وبقبول طرفي المعادلة احدهما الآخر..

الممثلة نجية وبالرغم من تجاربها المسرحية إلا أنها في هذا الدور تتألق كثيرا وتكشف عن مناطق في الأداء مكتنزة بالمشاعر المتناقضة، وكذلك كانت خطوات زميلها الممثل يعقوب القوز الذي يواجه صالة المتفرجين للمرة الأولى وهي مغامرة جريئة منه ومن قبل المخرج محمد سويد في تعاطيه مع نص عالمي لكاتب صعب مثل تشيخوف..

في الندوة التطبيقية التي أدارها المسرحي الكويتي منقذ السريع وقدم خلالها المسرحي البحريني حسن عبدالرحيم مداخلة رئيسية أثيرت نقطة هامة حول مدة المغامرة التي يقدم عليها أي مخرج يتناول عملا من الأعمال التشيخوفية.

مثلما أشار عبدالرحيم حسن إلى أن تشيخوف حينما أسس شخصياته في مسرحية الدب فإنه اعتمد على مخزونها من التجارب الحياتية، وان الممثلين يعقوب القوز ونجية زينل بالرغم من اجتهادهما في الأداء والتقمص إلا أنهما بعيدان عن الغوص في أعماق شخصيتي تشيخوف.

.وطالب عبد الرحيم بضرورة أن يعي كل مسرحي يريد تناول عوالم تشيخوف أن يعي حاجة مسرحه إلى النبش والتفتيش في مفاصل العمل وما تحت الخطوط والجمل الحوارية..

الفنان ياسر سيف تساءل عن الأسباب التي جعلت المخرج محمد سويد إلى تسمية العمل ب«الجلف» ورأى أن ذلك كان فيه نوع من الازدراء لشخصية القروي، وأبدى ملاحظته على الأزياء التي رأى أنها جاءت متناقضة مع واقعها..

أما المخرج الشاب محمد سويد فقد أشار إلى عمل بسيط ترك فيه حرية كبيرة لممثليه لكي يقدما مشروعهما ورؤيتهما لشخصيتي تشيخوف دون تدخل، وانه أراد من هذا العرض أن يقول إن الحب له قدرة سحرية على تذويب الفوارق وانه المصير الوحيد لإنسانية سعيدة..

تجدر الإشارة إلى أن مهرجان آوال المسرحي يواصل لليوم الثالث فعالياته ويشهد عروضه جمع كبير من المسرحيين والمثقفين البحرينين.. كما ستعرض فرقة المسرح الحديث، الفرقة المستضافة من الإمارات مسرحيتها «التراب الأحمر» مساء الخميس المقبل ويعقبها الحفل الختامي للمهرجان..

المنامة ـ مرعي الحليان: