منذ أن بدأ الشاعر الفلسطيني محمود درويش الكتابة وهو يعيش عالقا بين واقعين: واقع كونه شاعرا وواقع كونه فلسطينيا. كفلسطيني، عانى من المنافي، وهو يقول إنه لا يزال يعاني منها إلى الآن، لأن «فلسطين سجن كبير».
حيث لوحق بسبب كتاباته ضد الاحتلال وكان عضوا نشطا في منظمة التحرير الفلسطينية. كشاعر، يعتبر أحد مرجعيات الشعر الغنائي العربي المعاصر، كما نال اعتراف وتقدير الغرب.
درويش شارك في الآونة الأخيرة في المهرجان الشعري« كوسمو ـ بويتيكا»،الذي يضم شعراء من جميع أنحاء العالم وتجري فعالياته في مدين قرطبة الإسبانية الاسبانية، حيث انتهزت صحيفة « الباييس» فرصة وجود درويش هناك وأجرت معه الحوار التالي.
ـ هل هو حتمي أن تظهر القضية الفلسطينية إذا كان الكلام معك يدور حول الأدب؟
ـ أنا قلق حيال هذه القضية. فرغم أني أشعر بأني كأي فلسطيني، أرى أنه حين يتم الحديث مع شاعر أميركي، فإنه لا يسأل عن السياسة الأميركية.
لكني أتفهم أن المشكلة في وطني مديدة ومتكيسة ومؤلمة إلى درجة تدفع أي فلسطيني إلى الرغبة في فعل شيء ما حيال قضيته مهما كان هذا الشيء ضئيلا .قليلا.
لكني أرفض القول إن الموضوع الوحيد الموجود في الشعر الفلسطيني هو موضوع النزاع. صحيح أن لكل شاعر ظروفا تاريخية ملموسة، لكن إذا كان شاعرا جيدا، فإن عليه التجرد والذهاب مما هو ملموس إلى ما هو كوني.
ـ هل أنت تعب من اعتبارك شاعر فلسطين الوطني؟
ـ لست تعبا من ذلك، أنا تعب من أن قراء شعري يعتقدون بأنهم يعرفون ما سأكتب حتى قبل أن أكون قد كتبته. لكني أحاول دائما مفاجأتهم.
أنا ضد الشعر السياسي أو شعر المقاومة الفورية. مجموعة قصائدي الأخيرة، على سبيل المثال، تتناول أزهار شجر اللوز. وأنا تعب من بعض المثقفين الذين يريدون تصنيفي كشاعر سياسي مباشر.
وما يثير الفضول هو أنهم يتهمونني بأمرين: البعض يقول إني لست قوميا بما فيه الكفاية وآخرون يقولون بأني سياسي وقومي زيادة عن اللازم، لكن القارئ يبحث عن أمر آخر. عندما ألقي شعرا في فلسطين، أحس بأن ما يريده الناس هناك هو أن أقرأ لهم شعرا غراميا. فالفلسطينيون أحياء ويريدون ما تريده بقية الإنسانية: الحب.
ـ في شعرك ثمة إشارات ثابتة إلى التوراة والإنجيل والقرآن.. هل يعكس هذا ميلا متمما ؟
ـ أنا أشعر أني ابن جميع هذه الثقافات. أنا ابن الأرض الفلسطينية وجميع حضارات العالم تضرب جذورها هناك، حيث هوية فلسطين الثقافية متنوعة.. جمعية.
حين أدخل في شعري عناصر متصلة بالتوراة أو الإنجيل، فإن هذه العناصر لا تكون دينية وإنما أدبية. فعلاقتي مع كل هذه الكتب هي علاقة أدبية. ومن المهم فهم أن جميع الأديان راحت تتعاقب ليس من أجل أن تحتل مكان بعضها بعضا وإنما من أجل استكمال رسالة، وهذا أمر لا بد أن يتعلمه الأصوليون في جميع هذه الأديان.
ـ هل يعيش العرب واليهود وهم يديرون ظهورهم لبعض فيما هو ثقافي؟
ـ المواجهة بين الإسرائيليين والعرب نحت جانبا البحث حول العلاقات الثقافية، والأخطر في هذا الصراع يكمن في أنهم يتجهون إلى معركة دينية.
ـ قلت إن « العالم يتحرك في القصيدة، لكن القصيدة لا تغير العالم»، ما الذي يمكن للقصيدة أن تفعله؟
ـ الفن يتمتع بشيء ساحر لأنه لا يرمي إلى أن يكون له وظيفة واضحة. ثمة الكثير من المدارس الفكرية التي تعتقد بأن الشعر قادر على تغيير العالم. هذا حلم، فكل شاعر يحلم بأنه يستطيع بشعره تغيير العالم.
لكن الجانب الجميل في الشعر والذي لا غنى عنه يكمن في أن ما يستطيع الشعر فعله هو تغيير طريقتنا في رؤية العالم.. تغيير شكل ارتباطنا بالعالم لأن هذا يأخذنا إلى بداية الكلمة.
لكن الشعر ليس مرآة. وأنا كتبت ذات مرة أن القصيدة لا تغير إلا الذي يكتبها، ففي الشعر هناك أيضا جانب من البحث الشخصي. وبالعودة إلى فلسطين، فإن الشاعر الفلسطيني يشعر بأن عليه إعادة بناء مكان وزمان كانا قد كسرا، لكن ليس لديه وسائل أخرى مجدية غير الكلمات. بالكلمات يحاول إعادة بناء وطن أو يصنع من الكلمات وطن. لأن الوطن الأخير للشاعر هو الكلمات.
ـ هل تعتقد بأن الإيقاع هو الكنز الأكبر للشعر العربي؟
ـ أعتقد بأن الإيقاع هو الأهم لدى أي شاعر. وموسيقية الشعر هي اللحظة التي تميز النثر عن الشعر. أنا لست شاعرا على الطريقة الكلاسيكية يدافع عن القوافي والقواعد القياسية التقليدية، لكني أعتبر أن الإيقاع الشعري عنصر لا غنى عنه.
صحيح أن الأدب العربي غني جدا بالأوزان الشعرية، لكن من المدهش أن معظم الشعراء العرب الحاليين يكتبون الشعر الحر. أنا أحد آخر القلة القليلة التي تكتب معتمدة على قاعدة قياسية. وما أقوم به هو البحث في القواعد الكلاسيكية لكن مع إيجاد موسيقى جديدة. فكتابة الشعر دون معرفة الإيقاع يماثل كتابة الموسيقى دون معرفة السلم الموسيقي.
إعداد: باسل أبو حمدة