بداية أعتذر سلفاً لكل الأقزام في العالم.. الذين يعانون من قصر خلقي في القامة، فهم بالتأكيد يملكون مشاعر وأحاسيس وطاقات إنسانية وإبداعية قد لا تتوافر لدى الكثير من عمالقة هذا الزمن وبالأخص، من ادعوا أنهم يملكون ناصية الشعر والقوافي، ممن طوعوا المعاني.

وساقوا لنا الكلمات والتعابير لننعم بها نحن العوام الجهَال، المهللين المصفقين لكل من اعتلى المنابر ورفع عقيرته وصف حروفه وكلماته وترنم بهلوساته، التي لو عاش «فرويد» وتلميذه النجيب «فليمنغ» مئة عام أخرى لأعلنا إفلاسهما واعتزلا معرفة كوامن وأسباب العقد الإنسانية، وسحبا عن طيب خاطر ما توصلا إليه.

فإن يتحفنا شاعر فالح ببعض قصائده المترهلة، أمر تعودناه لعدم وجود بديل يقدم الأفضل، لكن أن يصل الأمر إلى تقديم عثماني جليل من مقام الباب العالي، لتجربة هذا الشاعر المتفردة، المبدعة، الخلاَقة، التي تضاهي حس ت.س إليوت التاريخي، على اعتبار أن مغامرة تقديم شاعر فذ لا تقل إشكالية عن مغامرة هذا العبقري، حينما قرر الرحيل الصعب خلف قصيدته وجعل ذاته المتفردة «مزاراً» يليق باستقبال القصيدة من وادي «عبقر».

فحتى نصه الشعري الذي يقدمه هو نص مزيف، لأن القصيدة الحقيقية نرسمها في مخيلتنا وعلى هوانا، فهي على حد تعبير النقاد «نص غائب»، فلماذا لا تكون هناك إذن قصيدة غائبة وشاعر غائب وجمهور غائب بالمحصلة؟

أما تجربته فحدث ولا حرج.. حيث يتداخل فيها الذاتية بالموضوعية ويبتدع لها لغة تتجاوز الزمن والمكان الجغرافي، وما وصفه «إنشتاين» بالزمان المكاني، فربما سقطت هذه القصائد على مبدعها كما سقطت تفاحة «نيوتن» التي همست له بأسرار الجاذبية، مع فارق بسيط بين التجربتين، وهو نفور الجمهور هنا وانعدام جاذبيته لهذا الإبداع المتفرد.

إلى هنا ولم يبدأ شاعرنا بإلقاء قصائده على أرواحنا العطشى، فهو سعيد يوزع الابتسامات وقد صدق ما قيل عنه وانتفخت أوداجه طرباً، حتى أنه طلب أن يعتلي منصة الإلقاء ليطلق من هناك «صواريخه الفضائية» التي تسبر أغوارنا وتجعلنا سعداء مثله بكل التهويمات والخيالات والصور البديعة الفريدة، مذكراً بين القصيدة والأخرى أنها قديمة قدم تجربته وموهبته أو حديثة حداثة لغته الفذة التي جمعت النخل، والشجر، والبشر، والمرأة بكل حالاتها والتي تحولت إلى «أفروديت» تارة، وسحابة صيف في صحراء عمرنا الضائع تارة أخرى..

ومع ذلك لم نعرف قيمة هذا المبدع حتى انصرف دون أن يشيد أحد بقصائده التي لا تحتاج إلى تعليق، وإنما إلى حبوب مهدئة وأيام من «النقاهة الشعرية» على عكس القصائد والكلمات التي كان «أحمد شوقي» و«حافظ إبراهيم» و«عمر أبو ريشة» و«نزار قباني» يلهبون بها حماس المتلقين، أو يدغدغون بها أحلامنا على ضوء الشموع والأٌقمار والوسائد الخاوية، حينها لم نكن بحاجة إلى نظريات وتقريظات لا مبرر لها..

كانت تكفينا كلمات شفيفة تورق ليالينا بالأمل والحياة، دون أن نشعر أننا نعيش في زمن أغلب مدعَيه من الأقزام الذين يتطاولون على كل ما هو بسيط وجميل ومبدع، بساطة الحياة ونقائها.. فعذراً مرة أخرى معشر الأقزام.

alomawi@albayan.ae