إن الوقوف أمام أعمال جيفر الخالدي الجديدة، التي يعرضها في صالة «بي 21» للفنون. يحتاج إلى حساسية من نوع خاص، وإلى تركيز معين، يتجاوز محاولات البحث التقليدية عن القيمة الفنية في العمل.

وعن آليات إنتاجه، لأن اعمال هذا الفنان تتجاوز هذه الأشياء، ويبدو واضحاً انها غير معنية بها، بقدر ما هي مساحة مفتوحة للتعبير أو سلسلة التعبيرات الحرة والقلقة، التي تتجمع في اللوحة، على شكل خطوط وتأسيسات، وكتل، وألوان منسجمة، ومتنافرة في الوقت ذاته.

ولعل المتابع لتجربة هذا الفنان الحائز على جائزة بينالي الشارقة الدولي للفنون سيحتاج إلى وقت أكثر للتقاطع مع تجريدياته البصرية الجديدة، والتي يمكننا القول انه ينقلب فيها على نفسه من ناحية الشكل، لكنه يحافظ على تلك النزعة الصدامية.

وعلى مناخاته المستفزة فالموضوع والأشخاص، والعناصر تغيب هذه المرة عن لوحة جيفر لصالح القلق، والخطوط الموتوءة والمساحات الكبيرة التي يشغلها بالتعبيرات الإبداعية، والتكوينات البصرية الجريئة، والمتحدية والتي لا تقوم على بنائية تقليدية بقدر ما تعتمد علي الهدم، وعدم التصالح مع لحظات السكون والهدوء، فالفكرة تنقلب على نفسها واللون يُرسم فوق الآخر، دون أدنى محاولة للمزج أو التخفيف، فاللون يرسم.

كما هو والريشة تنفلت على جسد اللوحة. مما تمليه عليها قوة الحركة، والضربة، والإيقاع الذي لا يعني هنا الانضباط والتناغم، بقدر ما يعني إمكانية الضربة الإيقاعية القوية الناشزة في خلخلة البناء الكلي للمشهد، وجعله عرضة للتداعي، وهنا تكمن متعة المغامرة، والانفلات، والخروج عن المألوف.

أعمال جيفر الخالدي تقوم على تعبيرية صرفة، وإن كان هنا يحاول الوصول عبر التجريد إلى منطقة جديدة، ومرحلة ثانية في تجربته، تستند على الخبرة، والتراكمات الذهنية المكتسبة على مدى السنوات المنصرمة، إلا أنها رغم ذلك، تظل خصوصية أعمال هذا الفنان صارخة ومباشرة، وتقول كل ما لديها دفعة واحدة.

فعملية الاشتغال على اللوحة نفسها، متأتية من جملة تأثرات واضحة، وانشغالات متنوعة، في بناء فضاء بصري، متنوع الرموز والدلالات، ويحاول في بعض المواقع وعلى استحياء ان يكون زاهداً وفقيرا وساكناً لكنه سرعان ما يمضي، في ذلك الفضاء المأزوم القائم على الجمع بين جملة من التوليفات والتكوينات، والتصاميم، والخامات المتنوعة.

يترك جيفر لوحته تنبني على الفطرة، وليست على القصدية المسبقة، ولعل اللوحة تبدأ بضربة، ثم تقوده هذه الضربة إلى أخرى، ويصير العمل مساحة اختبارية للذات، والمفاجأة، وما يمكن ان تمليه اللحظة الإبداعية والحالة النفسية، في انتمائية واضحة للحركة التعبيرية الألمانية، التي وصلت أميركا فيما بعد وانتشرت على نطاق واسع.

هذا الانتماء كان أكثر حضوراً في أعمال جيفر السابقة أو في سلسلة تجاربه القديمة التي كانت تقوم على الإنسان والبحث في الذات، والمضامين الوجودية، وتطرح الكثير من الأسئلة المستفزة والقاسية، لكن هذا لا يعني ان اعمال جيفر الجديدة قد تنازلت عن هذا الدور، لكنها هنا اقتربت اكثر من البحث الشخصي، ومحاولة تعرية الذات قبل الآخر.

ينظر جيفر هذه المرة عميقاً، أو على الأقل في انعكاسات جملة التجارب التي عاشها هو على المستوى الشخصي كفلسطيني، لبناني، أميركي يعيش في دبي.

دون إدعاء، أو محاولة لاستعراض العضلات فنياً، انها التعبير، ومحاولة القول، والتجريب وصولاً إلى نتيجة ما، حتى لو كانت هذه النتيجة لا شيء.

الجدير ذكره أن المعرض مستمر لغاية العاشر من الشهر المقبل في صالة «بي 21» وهي صالة فنية جديدة، تحاول تأسيس حضورها عبر مجموعة من المعارض المهمة السابقة، والمستقبلية.

حازم سليمان: