برعاية مجلس دبي الثقافي، وبالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، اكتملت كافة الاستعدادات لافتتاح «معرض لغات الصحراء ـ الفن العربي المعاصر لدول مجلس التعاون الخليجي» في معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية باريس في الثالث من مايو.

يشارك في المعرض، 19 فناناً من دول الخليج المختلفة، 9 منهم من دولة الإمارات، وهم: حسن شريف، ومحمد يوسف علي، محمد كاظم، وخليل عبدالواحد، وعبدالله السعدي، ومحمد أحمد إبراهيم، وكريمة الشوملي، وعبدالرحيم سالم، وابتسام عبدالعزيز.

تتنوع الأعمال التي تم اختيارها للمشاركة في المعرض لتضم كافة أنواع التعبير الإبداعي الفني، حيث يعرض فنانو دول الخليج العربي تجاربهم الحديثة التي تعكس المحطات المختلفة، والحديثة على وجه التحديد، التي وصلت إليها الحركة التشكيلية في المنطقة. وتتوزع الأعمال، ما بين: الرسم، وعروض الفيديو التركيبية، والأعمال المفاهيمية، وغيرها.

يسعى المعرض، الذي يجيء كمشروع كبير قام عليه «متحف بون»، وتم اختيار الأعمال فيه بعد دراسة وزيارات ميدانية قام بها فريق العمل المكون من الباحثين الألمانيين كارين ادريان فون روك، والبروفيسور والمؤرخ الفني ديتر رونته مدير متحف بون للفن التشكيلي لمدة عامين، إلى عرض الأعمال الفنية العربية خارج بلدانها، وإثبات وجود فن عربي معاصر على مستوى عال، مع إتاحة الفرصة للفنانين العرب للظهور على الساحة الفنية العالمية، في تظاهرة كبرى في أكبر المؤسسات الفنية في القارة الأوروبية. كما يحاول المعرض المخصص لفناني دول منطقة الخليج العربي.

والذي مثّل انطلاقة المشروع الكبير، الى عرض إجابات هؤلاء الفنانين على سؤال يطرحه الكثيرون ـ خاصة في أوروبا ـ ممن لا يعرفون عن النهضة الفنية هنا، وهو: كيف يتعامل التشكيليون مع التطورات المفاجئة والتحديث السريع في بلدانهم؟، وكيف يعكسون ذلك للجمهور؟

ترجع فكرة المعرض إلى الملاحظات التي دونتها الباحثة كارين أدريان طوال عشر سنوات خلال أبحاثها عن الفن العربي المعاصر في بلدان الوطن العربي في أكاديمية الفنون الجميلة في مدينة بون، حيث اصطدمت بحقيقة أن الانطباع العام لدى الشعوب الأوروبية هو عدم وجود كفاءة فنية عالية لدى الفنانين العرب نسبة إلى التفاوت الكبير في جودة الأعمال المعروضة، بالرغم من تنظيم عدة معارض للفن العربي المعاصر في السنوات الأخيرة.

ولم يتأخر البروفيسور رونته مدير متحف بون للفن التشكيلي، عن إجابة طلب الباحثة كارين في استضافة المعرض، حيث ان المتحف، يقيم تحت إشرافه، معارض خاصة لتقديم فنانين من خارج القارة الأوروبية تحت عنوان «حالات هامشية».

بعد النجاح الباهر الذي حققه المعرض في ألمانيا، تم الاتفاق على نقل المعرض إلى معهد العالم العربي في باريس، وهو أحد أهم المراكز الثقافية في القارة الأوروبية المهتمة بالثقافة والفن العربي، حيث كان الترحيب كبيراً من إدارة المعهد ممثلة في مديره العام، الذي زار دولة الإمارات قبل عدة أشهر، ومنها إلى باقي الدول الخليجية، في زيارة تعريفية بالمسؤولين والمؤسسات الثقافية، وعلى رأسها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، ومجلس دبي الثقافي، وهيئة أبوظبي للثقافة والتراث (المجمع الثقافي)، ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وغيرها من المراكز الثقافية في الدولة.

وتطرقت اللقاءات التي عقدها مدير عام المعهد إلى الدور الكبير الذي تلعبه هذه المؤسسات في دفع جهود الحركة الثقافية في الدولة، وبرامجها للتعريف بالفنون والإبداع الإماراتي في كل أنحاء العالم، وأوروبا على وجه التحديد.

وقد أبدى الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي في كلمة له خاصة بهذه المناسبة عن سعادته في إقامة المعرض، وأضاف «بالطبع ترك التغير المفاجئ والسريع لنمط الحياة وشكلها في المنطقة آثاره الواضحة وعلاماته على المشهد الثقافي.

ولم يعد المبدعون من الشباب الجدد من أبناء دول المنطقة في الآداب والفنون منغلقين فقط في القديم من الثقافة والتراث الأدبي، بل أصبحوا من المطلعين على الحركة الجديدة من الأدب والثقافة الواردة من العواصم العربية والعالمية. وشهد الوقع الأدبي في دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات القليلة الماضية عدة تغييرات حملها وأسهم فيها عدد من الفنانين من أبناء المنطقة، بما جلبوه من أساليب حديثة وغير معهودة في الفن مثل المدارس الانطباعية وأساليب الفن التركيبي والمفاهيمي وفن الفيديو، وغيرها.

وساهمت هذه النقلة الجديدة من التجارب في ظهور عدد من صالات عرض الفنون والمتاحف والمؤسسات والأنشطة الفنية في دولة الإمارات العربية المتحدة مثل بينالي الشارقة الدولي.

ويتجه الفن الحديث في دولة الإمارات، مثل أغلب الدول في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية إلى التعبير عن الفنون الشعبية والتمثيلية، مع وجود عدد من التجارب الفنية الحديثة التي تحمس لها الشباب كثيراً.

وساهمت هذه الفنون المستحدثة في إعطاء الفنانين المحليين في الدولة رؤية جديدة ساعدتهم على استيعاب المتغيرات الحديثة التي تسير بخطى سريعة حولهم. كما ساهمت التغييرات العالمية نفسها في خلق جو صحي لفتح علاقات ثقافية عالمية تميل إلى التحاور بدلاً من صراع الحضارات وصدامها مع بعضها البعض، بالإضافة إلى مساهمة الفن الحديث ـ جزئياً ـ في ردم الهوة وتجاوز المسافات بين الثقافات المختلفة في العالم.

الدكتور صلاح القاسم الأمين العام لمجلس دبي الثقافي قال بدوره: «مرة أخرى، ينتقل الفن الإماراتي إلى الخارج، وفي محطة هامة أيضاً هذه المرة، وهي العاصمة الفرنسية باريس. وتأتي مشاركة مجلس دبي الثقافي ودعمه لتواجد الفنانين الإماراتيين في معرض (الفن العربي المعاصر لفناني الخليج)، خلال الشهرين المقبلين كواحد من الأهداف الأساسية التي يسعى المجلس إلى تحقيقها والعمل على تثبيتها في جدول أعماله السنوي.

إن أهمية تواجد الفنان والمبدع الإماراتي في الخارج، وحمله لرسالة الإبداع والإشعاع الحضاري للدولة، توازي في الأهمية، العمل على تنسيق وتنظيم ودعم الأنشطة الثقافية في كافة أشكالها من معارض فنون تشكيلة وليال شعرية وموسيقية ومحاضرات وورش عمل وغيرها، في الداخل.

وتكمن أهمية وضرورة التواجد في الخارج، جنباً إلى جنب مع بقية الدول الخليجية، في التعبير عن وتوضيح مدى ما توصل إليه إبداع الإنسان الإماراتي، والفنان التشكيلي في الدولة، وكل ذلك بالطبع مقروناً بالتطور الحضاري والنهضة الاقتصادية الكبيرة التي شملت البلاد خلال العقود الماضية.

كما أن المشاركة في مثل هذه المعارض تساهم مساهمة جادة في الترويج للدولة من عدة نواحٍ أهمها الجانب الثقافي والأدبي، تتكامل فيها جهودنا مع جهات أخرى ومؤسسات عامة تقوم بنفس هذا الجهد لتقديم الفكرة الحقيقية عن الدولة وإنسانها.