المسبحة، أداة عددية للتسبيح ارتبطت بكافة الأديان السماوية، وعند العرب أخذت مكانة كبيرة ومميزة، لدرجة أنها أصبحت جزءا من التراث بل والتاريخ، إذ تكونت صناعة خاصة بها وصناع مهرة يتفننون في صنعها بتقنيات عالية. وفي الخليج والإمارات خاصة يوجد كثيرون يهوون جمع السبح النادرة والمصنوعة من أحجار كريمة ومواد طبيعية غالية ونادرة.

الدكتور علي النميري، له باع طويل في تجميع السبح واقتناء النادر والأصيل منها، بل إن موهبته هذه قادته لأن يدخل بنفسه في مجال تصنيعها وتصميم أشكالها، وكونه جراح تجميل فقد أفاده مجال عمله ودراسته في تحويل تلك الصناعة من مجرد تقاليد مهنية متوارثة إلى صناعة ذات منهج علمي مدروس.

في منزله شاهدنا مقتنياته النادرة والمتعددة من السبح، واكتشفنا معه أن تلك المسبحة التي تداعبها أصابع الشيوخ والمصلين ليست مجرد حبات تساعد على التسبيح فقط بل تاريخ وتراث وعلم.

في البداية يقول الدكتور علي النميري.

المسبحة لها أصل تاريخي وديني وأشك في أن يكون أصلها عائدا للديانة الكونفوشيوسية الصينية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الديانة اليهودية ومنها إلى المسيحية ثم الإسلام، وذلك لأنها أداة ميكانيكية تساعد على التسبيح.

ويضيف: ثانيا المسبحة تعد جزءا من شخصية الانسان الإماراتي أو الخليجي بشكل عام، وهي دليل على وضعه الاقتصادي ومكانته الاجتماعية، وهي لها عندنا مكانة مهمة جدا.

يضحك الدكتور علي ثم يتحدث عن سبب عشقه للسبح ويقول:

المسبحة بالنسبة لي موروث أسري، فأبي ثم أخي الكبير حبباني في هذه الهواية فكلاهما لديه مجموعته الخاصة والنادرة من السبح ويهوى جمعها ، فأخي على سبيل المثال يتفاخر دوما بأنه يقتني إحدى سبح الزعيم الراحل جمال عبدالناصر.

كل هذا دعاني إلى تكوين مجموعتي الشخصية من السبح التي بدأت بهدايا والدي لي، فقد كان يهديني في كل مناسبة مسبحة ومازلت أحتفظ بها حتى الآن وذلك أشعرني بأن لها قيمة، وكلما تراكمت لدي السبح وزادت كانت تدعوني للبحث عن المزيد من الأشكال والتقطيعات والأنواع .

وهذا يمثل عبئا كبيراً على جامع السبح قد يؤدي به إلى الإفلاس، خاصة أنه يتحول إلى خبير ويلاحظ أدق التفاصيل في المسبحة وكوني جراح تجميل جعلني أكثر دقة في النظر للمسبحة وملاحظة العيوب والأشياء الجيدة خاصة المكونات الأساسية التي يجب أن تكون متناسقة ومتناظرة.

ـ ما الذي جعلك تفكر في أن تؤسس ورشة لتصنيع السبح؟

ـ لقد بدأت في تأسيس هذه الورشة منذ ست سنوات وكان هدفي أن احول الهواية إلى مشروع تجاري يأتي بربح على الأقل ويصرف على نفسه ويضمن استمراريته، كما أن دبي الآن أصبحت مكانا خصبا لإنشاء أي مشروع وكذلك أهل الإمارات محبون للسبح.

ـ أنت تصر على تصنيع السبح بفنيات عالية ومواد قيمة..ألم تفكر في المنافسة التي تشكلها السبح الرخيصة؟

ـ أعلم أن هناك تنافسا دوليا كبيرا في صناعة السبح خاصة من الصين التي تأخذ تصميم المسبحة وتضعه على الكمبيوتر لتنتج آلاف السبح بشكل نمطي ما أفقد السبحة البعد الفني والقيمي، كل ذلك دعاني للدخول وإنقاذ المسبحة .

وقيمتها التاريخية وإن كان هذا الأمر جعل لها جمهورا خاصا جدا من النخبة التي تبحث عن الصناعة اليدوية، لذلك جزء مما نقوم به في الورشة هو أننا نأخذ شكل المسبحة الصينية ونعيد خراطتها يدويا وإن كانت العملية متعبة للعمال، إذ أن العامل يعتمد على عدة عناصر هي الحجم والشكل السابق وموقع الفتحات الخاصة بالخيط ونوع المادة.

أنواع السبح

ـ ما الأنواع التي تعتمد عليها في تصنيع السبح؟

ـ هناك مواد عديدة لصناعة السبح ويعد الكهرمان أهمها بل الملك المتوج عليها، وهو مادة صمغية عمرها يتراوح بين ثلاثين وأربعين مليون سنة واهم المناطق الموجود فيها بحر البلطيق وجمهورية الدومنيكان في أميركا اللاتينية.

وكان هناك كهرمان موجود في لبنان بشجر الأرز لكنه نفد، وأيضا كان موجودا في أماكن عديدة بأفريقيا ونفد أيضا ويقال إنه موجود بكميات كبيرة في سيبيريا لكنها لم تدخل في المجال التجاري بعد.

ـ وكيف يتكون الكهرمان؟

ـ هناك خمس نظريات تفسر كيفية تكون الكهرمان، لكن النظرية الأكثر شيوعا هي أن الشجرة حتى تحمي نفسها من الحشرات تفرز مادة صمغية، والنظرية الثانية انه نتيجة لعوامل التعرية والتجريد الطبيعية للشجرة تبدأ في التفطر الداخلي أو الخارجي وبالتالي لا تمتلئ هذه الفطور بمادة اللحاء .

ولكن بالمادة الصمغية ، النظرية الثالثة تقول إنه حتى يحافظ الشجر على نوعه يحتاج إلى حشرات حتى تنقل حبوب اللقاح، فتفرز هذه المادة ذات الرائحة الطيبة لتجذب الحشرات إليها، النظرية الرابعة تقول كون الشجر أعماره طويلة فإنه عندما يتوسع عرضا يترك فراغات بين الخشب وهذه المادة تفرز حتى تملأ هذه الفراغات، أما النظرية الخامسة والأخيرة فهي عندما تمرض الشجرة تخرج هذا النوع من المادة الصمغية الذي يتحول إلى كهرمان فيما بعد.

ـ لماذا ينتشر الكهرمان في بحر البلطيق وجمهورية الدومنيكان؟

ـ لأن منطقة بحر البلطيق تعرضت قبل خمسين مليون سنة لحركة أرضية أدت إلى انطمار الأشجار التي كانت موجودة فيها وهذه الأشجار دخلت بسيقانها وصمغها، فمرت السيقان بعوامل التغيرات الحياتية وبقي الصمغ لأنه مادة عضوية غير قابلة للفناء وابتدأ في التحجر.

الكوبال والفطران

ـ وما المادة الثانية التي تصنع منها السبح؟

ـ هناك مادة تشبه الكهرمان ويتم تسويقها على أنها كهرمان وهي الكوبال وتمر بنفس المراحل الطبيعية تقريبا لكنها غير متحجرة بالتالي يجوز تسميتها كهرمان غير ناضج والاختبار للتفرقة بينهما سهل، أن نضع قطرة من مادة الإيثر أو أي مادة مذيبة أخرى لو تضعها على الكهرمان تتبخر دون ان تحدث أي أثر فيها ، لكن الكوبال يعود إلى مادة صمغية مرة أخرى.

ويضيف الدكتور علي: هناك مواد أخرى تصنع منها السبح واكثر مادة شيوعا بعد الكهرمان والكوبال هي مادة الفطران.

ـ وما الفرق بين الكهرمان والفطران؟

ـ من حيث الانتاجية يمكن التحكم في الفطران بشكل كبير فهي تحتوي على نوع من صلابة الكهرمان ويمكن التحكم فيها بالخرط وتخرج منها أشكال جميلة ومتعددة ويمكن أن تصنع منها خلاخيل وحجول وغيرها.

واهم من كل هذا انني يمكن أن أتحكم باللون، ومرة أخرى لكوني جراح تجميل وأحد خبراء الليزر في المنطقة، أدخلت معرفتي الليزرية على عمل السبح وأنتجت أنواعا منها ذات ألوان مصنوعة بالليزر .

وهي غير موجودة في أي مكان بالعالم الآن، فأنا منذ ثلاث سنوات أجري أبحاثا وتجارب على استخدام الليزر في تغيير لون الفطران لأنه مادة فعالة ويمكن ان تستجيب لتغير اللون ونجحت بالفعل وذلك باستخدام أطوال موجية لليزر بجرعات محددة وبتغيير الطول الموجي مع تغيير لون المسبحة إلى ان أصل إلى درجة اللون المطلوب.

ـ وكيف يمكننا معرفة الكهرمان عن أي مادة تشبهه؟

ـ هناك عشر وسائل لمعرفة الكهرمان ... أولا هو مادة إذا فركتها بيدك تترك رائحة لأنه كان يستخدم ولايزال في بعض الدول في صنع العطور، ثانيا عندما يفرك في اليد يتحول لمغناطيس إذ تتولد طاقة استاتيكية يصعب التخلص منها ، ثالثا صلابته مع خفة وزنه، أيضا بالنظر من خلال العدسة فهو حتى بعد التصنيع لا يمكن أن يكون صافيا.

كذلك فتحة سبحة الكهرمان لا تكون مقطوعة بشكل حاد ففيها تآكلات حول الفتحة، وهو أيضا شفاف غير معتم حتى الأسود منه شفاف وهو المادة الوحيدة التي تجمع بين السواد والشفافية، أخيرا اختبار الكثافة فالكهرمان يطفو في المحلول الملحي عكس المواد الأخرى.

الكوك وخشب العود والعاج

ـ وماذا عن المواد الأخرى؟

ـ هناك مادة الكوك وهو ذكر ثمرة النارجيل وهو مادة خشبية من أصلب أنواع الخشب الموجودة على الأرض، ونحضرها من سيلان والهند ووسط أفريقيا وبورما، وجودة ثمرة النارجيل تعتمد على ثخانة الثمرة الذكر وكلما زادت الثخانة زادت الجودة وكلما كانت الشجرة معتنى بها كلما كان لونها أغمق وهذا هو المطلوب لانتاج سبح لا تتكسر.

ـ وماذا عن باقي الأنواع؟

ـ هناك خشب العود الذي نخرج منه دهن العود وهو يتكون كالهرمان، أما آخر مادتين نصنع منهما السبح فهما العاج والكوك ولكن لم نعد نصنع منهما السبح الآن بسبب قوانين حماية البيئة العالمية إذ يستخرج العاج من سن الفيل ويستخرج الكوك من ظهور السلاحف الكبيرة، ونصنع أيضا من الفيروز والسانلوز وهما مواد مصنعة وكذلك هناك سبح اليسر المشهورة.

ـ كيف استطعت الحصول على هذا الكم من المعلومات؟

ـ أولا بالوراثة وثانيا بالذهاب للسوق والتعامل مع البائعين ومجادلتهم، وهناك أيضا الكتب التي تهتم بالأحجار الكريمة وجزء خاص بدراستي في الكيمياء فلدي مختبر في البيت حيث أجري تجارب على السبح والشيء الأخير أنني عندما دخلت في مجال التصنيع وشراء المواد الخام اكتسبت خبرة.