كان على المدينة أن تكبر، وكان عليها أيضاً أن تتغير، للدرجة التي لم يعد أقرب الناس إليها يعرفونها، أو يستدلوا على العناوين فيها دون قراءة اللوحات المرورية التي استبدلت الأسماء القديمة بأسماء جديدة وغريبة، وكان عليهم، هؤلاء الذين قاوموا شظف العيش ولعنة الشمس.
وقلة الموارد، أن يهجروا بيوتهم إلى بيوت جيدة قد تكون أكبر لكنها تفتقد للروح والذاكرة والرائحة كما قال احدهم، ثمة طارئ خرج من أسفل الأرض، ليغير وجهها، وليمحوا كل ما كان.
ولتبدأ المدينة من جديد، حديثة، مبهرة، بذاكرة جديدة، وبما يكفي من البيوت والأبنية لاستيعاب مئات الآلاف من تأشيرات الدخول لعمال، ورجال أعمال، معلمين، موظفين، وحالمين.
كل هذا حدث بسرعة غريبة، حتى انه في بداية الأمر، وفي غمرة الترحيب بالوافد الذي خرج من تحت الأرض لم ينتبه احد إلى ان الأمر لا يتعلق وحسب، بالمنظر، والشكل العام للمدينة، بل في هويتها، ومعناها.
وفي كل ما كان يجمعهم بها، يوم ولدوا، ولعبوا في أزقتها، وارتادوا مدارسها القديمة، ثم كان عليهم أن يبتعدوا عن البحر الذي كان محور الحياة، حتى أنهم لم يعودوا قادرين على رؤيته واستنشاق رائحته من نوافذ بيوتهم، التي بنيت خارج حدود المدن.
وبعيدا عن مركزها، هذه القطيعة مع المكان لم يكن لها أن تمر مرور الكرام، وألا تترك أثرها العميق في وجدان أجيال من الذين عايشوا هذه المرحلة من التغيرات.
وأدركوا ان الخسارة كانت كبيرة ويصعب تعويضها، تحول المكان وخاصة عند الطبقة المثقفة إلى هاجس، ليس لأنه مجرد مكان، بل لأنه متداخل مع الهوية، والخصوصية، والانتماء.
ومن هنا فإن نظرة متفحصة للمنجز الإبداعي في الإمارات وعلى اختلاف هذا المنجز ستكشف المساحة الكبيرة التي يشغلها المكان بأشكال وطرق عديدة ومتفاوتة، منها ما يقوم على حالة من الاستدعاء والتذكر وبعضها يأخذ سمة الدفاع عنه أو عن ما بقي منه.
ومنها ما يتسم بقدرة بليغة على التحليل واقتحام أعماق الأزمة وتجلياتها، وكثير منها لا يتجاوز الشكل الفطري، والرومانسي والتراثي ليس في الأمر صورة رومانسية.
بل هي حقيقة متجذرة في وجدان شريحة واسعة من الناس، لكنها تبدو أكثر وضوحا عند المبدعين، ربما لأنهم يملكون أدوات التعبير العلنية عن هذه الأفكار والهواجس.
منذ بضعة أشهر تشاركت مع المسرحي الزميل الإماراتي مرعي الحليان رحلة مثيرة في البحث عن بيته الأول، الذي كان متوقعاً ألا نجده، لكن رحلة البحث هذه قادتنا إلى متاهة حقيقية من الشوارع والمحال التجارية حتى وصلنا إلى منطقة تقريبية لذلك البيت في منطقة البراحة وسط دبي وقريبا مما كان يسمى فريج المرر أي حي المرر نسبة لإحدى العائلات المعروفة.
وأذكر ملامحه الحزينة وهو يشير لي الى المكان، هنا كان ثمة بئر يقصده الناس، وفي ذلك الاتجاه كانت المدرسة، وهناك كان بيت فلان، ومن هنا كانت تمتد رمال البحر ناصعة البياض التي كنا نضعها في أفواهنا لأنها تُشبه السُكَر، الذي فهمته بعد هذه الرحلة العبثية انها لم تكن المرة الأولى ولن تكون الأخيرة.
ولم يكن مستغربا أن ينجز مرعي الحليان عمله المسرحي المعروف ( باب البراحة )، والذي نال العديد من الجوائز محليا، وعربيا، ومتصديا فيه لأزمة الذات والوجود عند أربعة رجال يعيشون في مأوى للعجزة يحاول الوقوف أمام باب البراحة هذا الذي فتح على مصراعيه لكل التحولات القاسية والجذرية.
التشكيلي محمد يوسف احد رواد الحركة التشكيلية والمسرحية في الإمارات لم تتوقف رحلة بحثه المضنية عن المكان الضائع عند حدود الإمارات بل مضى في أعماله المتجذرة في البنية المحلية بين ألمانيا، باريس، وأميركا.
وهو يردد دائما أنه لا يستطيع النسيان، ليس المكان فقط بل حتى الأصوات التي لايزال يسمعها حتى الآن ( بيتي كان قرب بحر مدينة الشارقة كان ككل البيوت الحافلة بالحياة والأهل والناس، والحميمية، والدف ).
وعلى ما يبدو أن حظ محمد يوسف كان أفضل من غيره فقد بنيت على أنقاض بيته مجموعة من المتاحف والمراكز الفنية، التي يمارس فيها هو شخصيا دوره.
ويعرض فيها أعماله، إلا انه وكما يقول ( ثمة شيء في داخلي يدفعني دائما للرفض، أحمل ذلك العالم في داخلي وأمضى فيه إلى حيث لا أدري ) هذه العلاقة المتجذرة في الحياة اليومية لمحمد يوسف جعلته يؤسس في تجربته الإبداعية لمنهجية خاصة مرتبطة بالبيئة المحلية بكل عناصرها:
البحر والصحراء والتراب والأشجار، الأبواب، النوافذ، الصحون، وجميع المفردات التي كانت تُشكل عالمه القديم حتى تلك المتعلقة بالملابس والأقمشة.
أو ما يسعى إليه جاهدا وفق فلسفته الخاصة في استعادة الرائحة في العمل الفني، ومن هنا فإن أعمال هذا الفنان تتحرك في مدار أحياء الهوية الخاصة، وتفعيلها بصورة إبداعية على درجة كبيرة من الخصوصية.
( هي الأم التي تركناها حين كبرنا وابتعدنا عن عطفها ورائحتها التي نحن إليها في لحظات مباغتة، فنعود لاهثين إليها، لكننا نفاجأ انها غير موجودة، وان المسافة التي تفصلنا عنها كبيرة جدا ) هكذا قول القاص إبراهيم مبارك الذي كان بيته في منطقة ام سقيم ولطالما كان لإبراهيم مبارك آراءه الخاصة في جملة التحولات التي طالت بنية المجتمع المحلي على مستوى المكان كشكل خارجي.
وفي جوهره وكل ما يمتلكه من خصوصيات، آراء مبارك لم تتوقف عن كونها تجارب قصصية وكتب وحسب، بل امتدت إلى سلسلة من المقالات التي نٌشر بعضها، والبعض الآخر تم إهماله لأنه وكما قال تثير الكثير من التفاصيل التي لا يريد احد تذكرها أو الحديث فيها، لكن بالصورة العامة نجد ان مبارك التصق في عموم أعماله بالبيئة البحرية التي ينتمي إليها.
ويدافع عن ملامحها، عبر استعادة مفرداتها الخاصة، ليس لأنه يمتلك موقفه الخاص من التطور، بل لأنه على يقين من أن هذه التحولات وما نتج عنها، وما سينتج خلال المستقبل مبنية على خطط محكمة، وإرادة أقوى من إمكانيات الجميع.
متابعو الحركة المسرحية في الإمارات والخليج بصورة عامة يعرفون شمة وهي مسرحية درامية من تأليف عمر غباش رئيس جمعية المسرحيين، وإخراج احمد الأنصاري.
وكثير من الذي شهدوا الندوة التي أقيمت بعد العرض الأول لهذه المسرحية ذلك البكاء الذي سيطر على كلا المؤلف والمخرج وهما يتحدثان عن هذه المرأة المحاصرة في بيت تمسكت به بعد رحيل الجميع إلى أماكنهم الجديدة، امرأة ماتت داخل حصارها، وسط عالم خارجي انقلب على نفسه.
وازدادت وحشته، وصار مساحة موحشة لغرباء بملامح ولغات مختلفة، فلم يكن أمامها غير الاستسلام للموت كنهاية تشبه الهروب من واقع صعب ومأزوم، شكل هذا العمل عند عرضه صرخة كبيرة، واستطاع ان ينال مكانة كبيرة وخاصة بين العروض المهمة المفصلية في الحركة المسرحية المحلية، خاصة موضوعه الذي حرك في وجدان الناس ذلك الشجن المهمل والذي قلما يعبر عنه احد.
الجيل الجديد في الساحة الإبداعية الذي لم يعش بصورة عملية هذه التغيرات بل ولد مرحلة النتائج، ورغم ذلك لا تخلو نتاجاتهم وعلى اختلاف مشاربها، ومن البحث، والبحث العميق أيضاً عن الذات، لنجد ان مساحة كبيرة من المنجز الإبداعي الجديد، لا يتوقف عن طرح الأسئلة المتعلقة بالذات والهوية والانتماء الذي بات قضية متشعبة، بين الانتماء لبقايا مفهوم القبيلة أو العائلة.
وبين الدخول في بنية النظام المدني العمراني، نظام المدينة العالمية، المختلطة، ومن هنا فإن البحث عن المكان في أعماله الحديثة ليس بحثا عن شكل، وعن ملمح حميمي، عن بقايا ذاكرة بقدر ما هو بحث عن الذات، والهوية الشخصية، وسط تحولات غير متوقفة ومستمرة.
لا يحاول هذا الموضوع ادعاء القدرة على تغطية تداعيات القضية بصورتها العامة، بل هي محاولة لقراءة ظاهرة، ملحة وواضحة في المنجز الإبداعي المحلي، الذي يحتاج للكثير من الجهود لدراسته بصورة جادة وحقيقية لاستبيان جوهره وأبعاده المتنوعة العميقة.
حازم سليمان