صدرت في براغ مؤخرا الترجمة التشيكية لكتاب « صناعة الهولوكوست : نظرة على كيفية استغلال المعاناة اليهودية» للكاتب الأميركي اليهودي نورمان فينكلشتاين.

وهو كتاب يصفه كثير من النقاد بأنه استفزازي نظرا لجرأته بالتعامل مع القضية اليهودية خصوصا والصهيونية عموما.

ومثلما كان الحال في دول كثيرة حول العالم، فقد أثار الكتاب في تشيكيا ردود فعل فورية قلّما يشهدها كتاب يصدر عن دار نشر محلية، وهذا مفهوم بطبيعة الحال نظرا لتاريخ الجالية اليهودية في تشيكيا وانعكاس ذلك حتما على نفوذ أبنائها أو مناصريها من النقاد والإعلاميين.

الكتاب يتحدث عن المواقع الحساسة في التاريخ الحديث لليهود وخصوصا موضوع المحرقة أو الهولوكوست، فيحرص كاتبه على أن يكون دقيقا في عدم التشكيك بوجودها لكي لا يستفيد من ذلك النازيون الجدد وأنصار ما يعرف بمعاداة السامية، بل يركز في مادّته الرئيسية على استغلال هذه المعاناة والتي تتم حسب رأيه بشكل واسع جدا لتحقيق هدفين:

تحقيق المال من قبل المنظمات اليهودية بحجة التعويض عما تعرض له أجدادهم في السابق، وشرعنة السياسة الخارجية لإسرائيل التي تمكنت نتيجة لهذا الاستغلال المنظم من وضع نفسها في موقع الدولة - الضحية.

الأمر الفريد الذي يجب أخذه بعين الاعتبار هو أن فينكلشتاين يعتبر أحد أبرز ضحايا المحرقة النازية المذكورة، فعائلته كادت تُمحى عن وجه الأرض بسببها في حين أن والديه أمضيا بضعة أشهر طويلة في معسكر اعتقال نازي.

وبالتالي فإن المذكور ليس ضابطا نازيا أو مفكرا عربيا أو إسلاميا مناهضا لإسرائيل والصهيونية، بل أستاذا مرموقا في علوم التاريخ والاجتماع والسياسة، وهو ما يضفي على آرائه بعدا جديدا وجريئا في آن.

يقول أحد النقاد التشيك « ان الحديث عن الهولوكوست يبدو غير ممكن تماما مثلما هو الصمت حوله، وان المفكرين اختلفوا في السابق حول ذلك، ولكنهم كانوا يجمعون على فهم الهولوكوست كشيء يتعدى حدود تجربة المعاناة الإنسانية، وهي تجربة يجب على كل القلوب والعقول أن تنحني لها .. ».

ويضيف« انه يجب على قارئ كتاب فينكلشتاين أن يقبل بحقيقة التنازل عن جميع المحرمات المرتبطة بالهولوكوست ، لكي يتمكن من الوصول إلى ما يرم إليه الكاتب».

يقدّم فينكلشتاين في كتابه سلسلة من الحقائق والتأكيدات والتصريحات الموثقة والآراء التي تفيد بأن الهولوكوست أصبح بالنسبة لكثير من المنظمات الأميركية اليهودية والأفراد بالإضافة للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل « شيئاً مثل القطاع الصناعي الذي تستفيد منه ايديولوجيا وسياسيا وبالدرجة الأولى ماليا».

ويبرر الكاتب ما يقوله بالإشارة إلى أن موضوع الهولوكوست لم يكن حتى نهاية الستينات من القرن الماضي موضوعا كبيرا أو جذابا، بل ان التحول في هذا الموضوع تم بعد حرب الأيام الستة في العام 1967 عندما أدرجت الولايات المتحدة الأميركية إسرائيل ضمن خطتها الاستراتيجية.

ويرى فينكلشتاين في هذا السياق «انه بمجرد أن أصبحت إسرائيل ممثلا للقوة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط، بدأت تتدفق إليها المساعدات العسكرية والاقتصادية».

هذا الأمر ساهم بدمج اليهود بشكل كلي في المجتمع الأميركي لأنهم أصبحوا حسب تعبيره « في الخطوط الأولى لحماية أميركا والحضارة الغربية ضد العرب، وفي حين كانت إسرائيل تثير الرعب في أميركا بسبب ازدواجية ولائها قبل العام 1967 ، أصبحت تتبنى بعد تلك الحرب ولاءا مطلقا».

لقد كانت « صناعة الهولوكوست » بحاجة في تلك الفترة لمفكّرين يسوّقون أفكارها، بحث انها أصبحت سلاحا ايديولوجيا فتّاكا هدفه دعم المصالح السياسية والطبقية للفئات المرتبطة به.

وكما هو معروف فان فينكلشتاين لم يخجل في السابق ولا حاليا من تسمية أبرز الكتاب اليهود الذين تبنّوا هذا الدور مثل « إيلي فيزل » و « سيمون فيزنثال »، الذين تبنّوا أيضا فكرة تعظيم اليهود كشعب وبالتالي جعل الهولوكوست عظيما ليس لأنه حدثا مرعبا بحد ذاته، ولكن «لأن اليهود هم الذين عانوا خلاله» مثلما يشير فينكلشتاين.

وحسب رأيه أيضا فان إسرائيل واليهود حصلوا نتيجة هذه الحملة الشاملة على الرأسمال الأخلاقي الذي بوشر استخدامه لاحقا لتبرير السياسة التوسعية لإسرائيل من جهة، ولرفع المطالب التي لا نهاية لها للحصول على تعويضات عن الهولوكوست، وكذلك لممارسة السياسة الأميركية المعادية للعرب من جهة أخرى.

هذا يعني أن السلاح الايديولوجي المذكور كان يهدف لتبرير الخطوات السياسية التي كانت تتبناها إسرائيل، وتعزيز الموقع المميز أصلا لليهود في المجتمع الأميركي.

وبالدرجة الرئيسية سحب الأموال المطلوبة للتعويض من المصارف السويسرية والتي كانت تنتهي بأيدي المنظمات اليهودية لا بأيدي هؤلاء الذين تضرروا فعليا من المحرقة النازية.

ويستغرب الكاتب أن يكون في الولايات المتحدة الأميركية متحف عن المحرقة بالرغم من أنها لم تساهم بها، في حين أنها لا تستذكر بأي شكل من الأشكال معاناة العبيد الأفارقة على أراضيها أو عملية إبادة الهنود الحمر .

كما يشير باستغراب مماثل إلى احتكار المحرقة من قبل قسم من اليهود، في حين أن الضحايا الأوائل لها كانوا من الغجر وجنسيات كثيرة أخرى ممن أصيوا بعاهات نفسية وجسدية.

لقد تمكن فينكلشتاين من اقتحام سوق الكتب في تشيكيا بكل جرأة، ولم يجد مقابل ذلك ناقدا يدحض موضوعية الحقائق التي أوردها، باستثناء بعض من وصفوه بالكاتب الذي « تفوح من تعابيره رائحة البساطة الماركسية ».

براغ ـ حسن عزالدين: