ونحن نستشرف أجواء كأس العالم هذا الصيف لا بأس أن نعود إلى الوراء أربعين سنة لنتذكر قصة كأس العالم الذهبية التي سرقها اللصوص واختفت كأس جول ريميه ثلاثة أشهر كاملة إلى أن عثر عليها الكلب بيكلز وهو من نوع كلاب الموتغريل في أحد شوارع لندن وقبيل انطلاق كأس العالم 1966 بأشهر قليلة وهي التي استضافتها انجلترا.
وتحولت قصة الكلب بيكلز إلى قصة فاقت شهرة وإثارة الانتخابات البريطانية التي أجريت نفس العام. وبعد أربعين عاماً من ذلك الحدث يتابع أحد الصحافيين الرياضيين تفاصيل هذه الواقعة كاشفاً العديد من الملابسات والتفاصيل المتعلقة بها، ونحن بدورنا نورد هذه القصة بمناسبة مونديال ألمانيا الذي لم يتبق على انطلاقته سوى أيام معدودة.
في احدى أمسيات الأحد من شهر مارس قبل 40 عاماً، غادر ديفيد كوربيت شقته الأرضية بضاحية توروود جنوبي لندن لإجراء مكالمة هاتفية من كابينة الهاتف العام، وكان برفقته كلبه بيكلز الذي حصل عليه من شقيقه الذي غضب منه بعد أن أفسد أثات الشقة.
يذكر كوربيت الواقعة قائلاً: »وضعت الحبل حول رقبته وخرجت به من الشقة فاتجه مباشرة نحو سيارة الجيران ثم لفت انتباهي للفافة بدت غامضة بالنسبة لي ملفوفة في أوراق صحيفة قديمة قابعة عند عجلات السيارة الأمامية فالتقطتها
ومزقت الصحيفة فرأيت تمثالاً لسيدة ترفع صحناً فوق رأسها ومكتوب عليها الكلمات التالية: (ألمانيا، الأوروغواي، البرازيل) فاندفعت داخل الشقة نحو زوجتي التي كانت من الزوجات المعاديات للرياضة بصفة عامة، وعندها صرخت مردداً »لقد وجدت كأس العالم«.
ومن الواضح أن كوربيت أو بالأصح الكلب بيكلز وجد كأس جول ريميه المفقودة، ومع ذلك لولا الجائزة المالية الضخمة التي أعلنت عنها شرطة ميتروبوليتان والجهة المسؤولة التي طالبت بها عن طريق الخطأ لما وجد كوربيت وكلبه بيكلز الكأس المفقودة ولا أصبحا من الشخصيات المهمة في رواية لم تتكشف فصولها بالكامل إلى عهدنا هذا.
كانت الكأس قد تعرضت للسرقة في العشرين من مارس 1966 قبل أسبوع من عثور بيكلز عليها وذلك من قاعة سنترال هول في ويست مينيستر حيث كانت معروضة هناك في خزانة زجاجية أمام الزوار، وخصص لحمايتها خمسة حراس على مدار الساعة،
وفي ذلك الأحد الشهير حصل الحارس الأقرب إلى الخزانة على عطلة لمدة يوم واحد، وبينما الحراس الآخرون يستمتعون بكأس من الشاي الإنجليزي الشهير، وفجأة يفقد الحارس جورج فرانكلين الخزانة فوجدها خالية بعد أن اقتحم اللصوص القاعة من الباب الخلفي.
وكان الحادث بمناسبة الكابوس بالنسبة للسير ستانلي راوس رئيس الاتحاد الإنجليزي للفيفا، قبل ثلاثة أشهر على انطلاق المونديال لا توجد كأس تقدم للفائز.
التحقيقات المضنية
ترأس التحقيق في اختفاء الكأس الذهبية المفتش بيل ليفل واستمع إلى إفادة رئيس الحرس فرانك هدسون ومارجريت كومبيس سيدة حضرت إحدى حصص الأحد في جزء آخر من القاعة، وأفاد الاثنان أنهما شاهدا رجلاً يتسلل من بين الزوار، ورغم أن وصفهما للرجل كان مختلفاً أعلنت الشركة أنها تبحث عن لص واحد.
ومن جانبه سعى اتحاد الكرة إلى التعامل مع الواقعة بطريقته الخاصة. وقبل الإعلان عن سرقة الكأس، قام دينيس فولوز سكرتير عام الاتحاد الإنجليزي بزيارة سرية لصانع التحف الفضية جورج بيرد في ورشته الواقعة لشارع فرنش جيرج، وطلب منه صنع نسخة مقلدة للكأس،
وأن يصنعها من نفس نوع الذهب المصنوع من الكأس الأصلية، ولم يخبره بشيء سوى أن يمسك عليه لسانه. وبالتالي لم يعلم بأمر الزيارة سوى عدد قليل من الناس منهم راوس.
وبمجرد أن انتشر خبر سرقة الكأس توالت الروايات إلى سكوتلاند يارد مقر قيادة شرطة انجلترا الشهيرة ومنها ما أوردها أحدهم أن خاطراً قال له إن الكأس في مدينة ويكلو بأيرلندا، وقالت سوزانا بيل من شيلي إن السارق هو رجل ملون وأرسل آخر من ألمانيا صحيفة وضع علامة إكس على صورة رجل قال إنه السارق.
المكالمة المجهولة
وتحوّلت شرطة الميتروبوليتان إلى أضحوكة حول العالم ورئيسها لين باغي الذي عاش ساعات عصيبة قبل أن يأتيه الفرج في شكل مكالمة تلقاها جو ميرز رئيس الاتحاد الإنجليزي ونادي تشلسي من رجل ادعى أن اسمه جاكسون ومحتوى المكالمة يقول: »تجدون طرداً في ملعب تشلسي غداً وعليكم تنفيذ التعليمات المرفقة بدقة«.
وفي يوم الأربعاء التالي للسرقة وصل الطرد إلى ملعب تشلسي ويحتوي على جزء من كأس جول ريميه ومعه فدية بمبلغ 15 ألف جنيه استرليني من فئة الجنيه والخمسة جنيهات.
وبدأت الرسالة بقولها: »لا شك أنكم مهتمون باختفاء كأس العالم التي هي بالنسبة لي عبارة عن قطعة من الذهب. وإذا لم أسمع منكم يوم الخميس أو الجمعة على الأكثر فاعتبر أن الكأس التي بحوزتي للبيع بعد أن أقوم بصهرها إلى سبائك ذهبية«.
وطلب جاكسون من ميرز: »أعطني 15 ألف جنيه استرليني يوم الجمعة وستعود الكأس لكم يوم السبت«. ونشر ميرز بناء على طلب جاكسون رسالة في صحيفة »لندن إيفننغ نيوز« تقول: »على استعداد لعقد الصفقة معكم«، لكنه تجاهل التحذير الوارد في الرسالة بعدم إخطار الشرطة«.
وبعد تردد وافق جاكسون على عقد لقاء في حديقة »باترسي« ووصل المندوب وهو يقود سيارة ميرز الفورد ومعه 500 جنيه استرليني. أما بقية المبلغ فكانت قصاصات من صحيفة،
وتم إخطاره بالدوران حول جنوب لندن لمدة عشر دقائق قبل أن يلتقي بجاكسون. ولكن العملية فشلت ليفتح التاريخ أبوابه للكلب بيكلز. والسبب أن جاكسون لاحظ وجود سيارة »فان« شك أنها لعناصر الشرطة فحاول الفرار لكنه اعتقل.
اللص محارب قديم بالجيش الملكي
واتضح أن اسم اللص الحقيقي هو إدوارد بيتشلي وهو جندي سابق بالجيش الملكي البريطاني (46 سنة) وأمضى خدمته خلال الحرب العالمية الثانية في مصر وإيطاليا قبل تسريحه بتهم مختلفة في يناير 1946.
واتضح بعد ذلك أنه اتهم بتهريب علب اللحم المحفوظ عام 1954، وخلال التحقيق معه في مركز شرطة رونشستر أنه مجرد وسيط تلقى 500 جنيه استرليني مقابل خدماته وأن الرجل وراء العملية معروف باسم بول الذي لم يتأكد من أنه شخصية حقيقية.
أين كأس العالم؟
أصبح كل ما يهم الآن هو أين كأس العالم؟ وكيفية استعادتها وتحولت القصة إلى برنامج في القناة التلفزيونية الرابعة بعنوان »من سرق كأس العالم؟«. وهنا عرض بيتشلي صفقة مع رئيس الشرطة جون بيلي بأن تقوم إحدى السيدات من صديقاته بزيارته في السجن، وإذا أحس أنها متابعة فسيلغي الاتفاق فوافق بيلي، وبعد ذلك بيومين عثر الكلب بيكلز على الكأس.
وسارعت وسائل الإعلام العالمية بتغطية الخبر على مستوى الكرة الأرضية وكان بطلها المتوج هو الكلب بيكلز وصاحبه كوربيت الذي وصل إلى مركز شرطة جيبسي هيلز وهو بملابس النوم، وهناك اعتبرته الشرطة المتهم رقم واحد في العملية بعد أخذه إلى سكوتلاند يارد.
وعن ذلك يقول: »تحولت إلى المتهم الأول في القضية وجلس حولي أكثر من 20 محققاً يتلقون المكالمات، وسمعت أحدهم يقول: فتشنا مدرجات الملعب لأن مجهولاً قال إن الكأس تحت المقعد رقم سبعة«. وواصلت الشرطة استجوابي حتى الساعة الثانية والنصف صباحاً. وعندها تساءلت: ولماذا لم أحتفظ بالكأس لنفسي؟«.
ويواصل كوربيت حديث الذكريات: »أذكر أن الموعد كان إجراء الانتخابات لكن أحداث اختفاء كأس العالم احتلت الصفحات الأولى بالصحف اليومية وأبعدت أخبار »هارولد ويلسون«. وبعد عدة ساعات مضنية أخلي سبيل كوربيت ولكلبه بيكلز.
بيكلز كلب العام من المشاهير
هذا الحادث جعل الكلب بيكلز يتحول إلى أحد مشاهير المجتمع إلى درجة قيامه بدور البطولة في فيلم بعنوان» الجاسوس ذو الأنف البارد« وشارك في عدد من البرامج التلفزيونية الرائعة منها برنامج »ماكبي« و»بلو بيتر«.
كذلك منح جائزة »كلب العام« ومنحته متاجر سبيلرز الطعام مجاناً لمدة عام كما وصلته الدعوات لزيارة كل من تشيلي، تشيكوسلوفاكيا وألمانيا. أما صاحبه كوربيت فيقول عن الواقعة: »اتخذت لنفسي وكيل أعمال أكسبني 60 جنيهااسترلينيا كل يوم«.
وانتهز وكيل أعمال كوربيت الفرصة فقام بتنظيم حفل عشية فوز انجلترا على ألمانيا الغربية 4/2 في نهائي كأس العالم. وعنها يقول كوربيت: »كانت الشوارع تعج بالمشجعين لتحية اللاعبين الذين وقفوا فوق بلكونة الفندق الذي يقيمون به في ميدان كينجستون«.
وذهبت إلى الحفل وأنا أحمل بيكلز فتناوله مني النجم بوبي شارلتون وبقية نجوم المنتخب، وبما أن زوجات النجوم لا يسمح لهن بتناول الطعام بالطابق العلوي تناولت معهن الوجبة في غرفة منفصلة. وهناك تحول الكلب بيكلز إلى نجم السهرة مع السيدات.
الخطة المضادة
ما لم يكن يعلمه كوربيت أن اتحاد كرة القدم الإنجليزي نفذ بنجاح خطة للتأكد من عدم وقوعهم في الحرج مرة أخرى. وتتلخص في أنه بمجرد أن سلمت الملكة الكأس لبوب مور كابتن الفريق اندس أحد ضباط الشرطة بملابس مدنية وسط اللاعبين خلال قيامهم بجولة الشرف حول الميدان للتأكد من عدم اختفاء الكأس مرة أخرى.
وبعد ذلك شاهد العالم الضابط بوب جيجي وسط اللاعبين في الفيلم الذي تم بثه على الهواء.وحتى الضابط جيجي نفسه لم يكن يدرك أن ضابطا من شرطة سكوتلاند يارد وهو بيتر وستون قد وضع نفسه بالقرب من غرفة تبديل الملابس وهو يحمل النسخة المقلدة للكأس التي صنعها الصائغ بيرد.
على أن قصة كأس العالم لم تنته بعد. ففي عام 1970 أعيدت نسخة بيرد إليه، بينما تم تسليم الكأس الأصلية للبرازيل، وفي عام 1983 تمت سرقتها ولم تستعاد أبداً بعد ذلك.
وبعد 14 عاماً عرضت النسخة المقلدة في مزاد بدار سوثبي للمزادات واشتراها الاتحاد الدولي لكرة القدم »الفيفا« مقابل 254 ألف جنيه استرليني. وهي موجودة حالياً بالمتحف القومي لكرة القدم في بريستون. وتوفي ميرز في الأول من يوليو 1966 إثر مضاعفات بسبب حادثة السرقة بينما توفي بيتشلي بعد أن أمضى عامين في السجن توفي عام 1969.
أما الكلب بيكلز فتضاءل حظه بعد عام من مغامرته الشهيرة وجاءت نهايته غريبة كمغامرته يسردها صاحبه كوربيت قائلاً: »اندفع بيكلز ذلك اليوم في مطاردة ساخنة خلف قطة الجيران ثم اختفى فجأة وعندما ذهبت خلف المنزل وجدته معلقاً من سلسلته فوق الشجرة كأنما شنق نفسه وهو يطارد القطة«.
وقام كوربيت بدفن نيكلز في حديقة منزله الخلفية الذي اشتراه في حي لينجفيلد، وعنه يقول: حصلت على جائزة مالية قدرها 3 آلاف جنيه استرليني فاشتريته بمبلغ 3100«. وما زال كوربيت يقيم هناك. كانت هذه قصة رفضت أن تموت حول أشهر كلب في تاريخ كرة القدم العالمية والمونديال.
تقول ماري ابنة المتهم الأول بيتشلي: »عرضت عليّ إحدى الصحف الآلاف لكشف الحقيقة حول: هل سرق والدي الكأس أم أن هناك منظمة دبرت الواقعة ولا أدري الحقيقة التي يبدو أن فصولها ما زالت في انتظار من يكشفها«.
محمد سيف النصر



