فيروز تقول في إحدى أغنياتها : على قدر المحبة العتب كبير... فما أصعب رفع العتب كلما كبر، ولكن المعضلة/ المهزلة أن لرفع العتب عندنا معاني مجازية تمنح للمجاز ذاته معاني مغايرة.. فرفع العتب في حياتنا العامة كالماء يأخذ دائما شكل الوعاء الذي يصب فيه.

وهو في المؤسسات الثقافية البديل الشرعي عما يسمى بالبيروقراطية، والعزاء الأول والأخير للمرتبطين بالثقافة مهنياً، وهو بداية ونهاية كل معوقات الحراك الثقافي الفاعل بمعناه الجدلي والتأسيسي... والمصيبة إن هذا المرتبط بالكسل والسكينة يواكب العصر، لأنه يتبادل الأدوار والدعم مع وسائل الإعلام، أكان عبر ثقافة الصورة أو ثقافة المعنى.

وفي كل الحالات، الرائج هو تكسير بطيء لوحدة الشكل والمضمون، وإن كان ثمة صدفة ما أحدثت صدمة قوية فإن التشظي أو التفتت لا يخدش مخمل الرتابة، كزجاج سيارات العصر تماماً.

و المحير أن ثمة حالات يكون فيها المضمون متماسكاً وراقياً، بينما الشكل بسيطاً وساذجا، كأن تحتوي مؤسسة ما على نخبة من المثقفين المبدعين المميزين، ويكون لسان حالهم مجلة هزيلة، لا تعبر عن حالهم ولا عما حولهم.

ولكن كيف تتمظهر ظاهرة الـ «رفع عتب» تلك في الحالات السائدة؟

بدءا من روتينية الفعاليات الثقافية التي بات لبعضها شكل المقهى الأدبي، تتوزع كل شلة على طاولة ما، تصفق لشاعرها أو لقصاصها، موزعين بين من يرفعون العتب عن ذاتهم، وبين من يرفعون العتب عن الآخرين، في حالات اجتماعية ونفسية معقدة أو في غاية البساطة..

ومروراً بالأندية الثقافية التي تحول بعضها إلى «سيتي سنتر» عائلي، باب قاعة الفعاليات الثقافية فيه لا يستقر على حال، فلا يظل موارباً لأن الخمسة أنفار الحضور لن يزيدهم أحد كي يتركوا له الباب مردوداً... ولا ينغلق لأن القاعة ممتلئة.

ولا ينفتح على مصراعيه لأن الضجيج العائلي في الخارج قد يزعج نوم البعض في القاعة... لذلك يظل في حالة صرير دائم جراء عبث الصبية أو فضول الكبار.

. وفي كل الحالات هذه الأندية مليئة أيام أسابيعها بالفعاليات الثقافية، وفي أغلب الأحيان يكون الإعلاميون هم الحاضرون فقط ، ومع ذلك تقوم الصحف بشكل دائم بتغطية تلك الفعاليات الثقافية الرائعة!!

وكل من الطرفين ـ القائمون على المؤسسات الثقافية والصحافيون ـ يتواطأ ضمنياً أو علنياً مع الآخر في حالة من حالات رفع العتب التي رغم رتابتها قد تتمايز أيضاً «خيمة عن خيمة بتفرق ، كما يقول غسان كنفاني» وذلك بأن يقوم بعض موظفي تلك المؤسسات بإيصال الخبر للصحفي قبل أو دون حضوره.

ومن حالات رفع العتب السائدة هي تلك المرتبط برفع الستارة وإنزالها، أي كأن تقوم مؤسسة ما بدعوة كبار المبدعين من العالم العربي للاشتراك في فعالية ثقافية ما.

وفي جو احتفالي صاخب يحضره كبار المهتمين بالشأن الثقافي ، ولا يخلو من عشاء التعارف، يعلن عن تفاصيل ما سيحدث في تلك الفعالية، وتقوم وسائل الإعلام بتغطية ذاك الحدث الجلل.

. وحين ينزل الستار يرفع العتب نهائياً وتضيع الطاسة، وتسود العلاقات الإجرائية الإدارية كل مناحي الإبداع المتخيلة، وكل ما قيل نظرياً لا يطبق منه إلا القليل القليل عمليا، والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.

والمؤسف أن حالات رفع العتب تتقاطع أحياناً في تسارع فيزيائي، وتكون محصلة هذا التسارع الصفر.. وهنا تكمن المعضلة والمهزلة، فبعض الفعاليات المهمة جداً قد لا يحضرها أحد حتى من باب رفع العتب.. ويبدو أنه لم يعد هناك من نعاتبه أصلا.

mah7z@hotmail.com