ينتمي معرض المقطوعة الثالثة إلى نوعية المعارض التجريبية التي تحاول تقديم اقتراحات بصرية، وأفكار لا تدّعي الكمال، بقدر ما تحاول التعبير عن نفسها وفق مناخات افتراضية، تتخذ من سمة المشروع الفني عنوانها العريض، وتتحرر من الاعتبارات الأكاديمية، رغم انتماء هذه الأعمال لأساتذة وطلاب كلية العمارة والتصميم في الجامعة الأميركية في الشارقة.

يقام هذا المعرض للمرة الثالثة في متحف الشارقة ، بعد النجاح الذي حققه في دورتيه السابقتين، حيث أثبت نفسه كفعالية ثقافية وإبداعية شريكة فيما يقام سنويا من أنشطة ثقافية.

وبذات الوقت قدم نفسه كمساحة إبداعية تحتضن بين طياتها مجموعة من المبدعين والطاقات الإبداعية المتميزة، وخاصة مجموعة الشباب، ومن خلال المضمون الذي يحققه في استقطاب مجموعة متنوعة من الثقافات، والذهنيات، والجنسيات،في مساحة إبداعية واحدة.

الحديث عن أعمال هذه المعرض لا بد ان يقودنا إلى آفاق متعددة المستويات، خاصة لتنوع الأعمال التي يصل عددها لمئة عمل مختلف عن الآخر في أسلوب الطرح والتعامل والعقلية التي تحكمه، ومما لاشك فيه وجود عدد من التجارب غير الناضجة وسط هذا الكم الكبير من التجارب، لكن السمة الجوهرية في هذه الأعمال هي ميلها الواضح نحو التجريب.

ووضع العمل الفني في مكمن اختباري، عبر نقله من الحيز الخاص لمنتجه إلى اكبر شريحة ممكنة من الجمهور، إلى جانب اتفاقها غير المعلن على مناقشة مجموعة من المواضيع التي تصب جميعها في خانة واحدة متعلقة بالعلاقة مع المكان، والهوية.

والتحولات الاقتصادية السريعة التي تحكم العالم، فإن توقفنا عند عمل الفنان كين فينبرغ نجد انه اتجه لرصد التغيرات المكانية التي تشهدها الإمارات في ظل الطفرة العمرانية التي تعيشها.

عبر مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي ترصد مكان صناعة أقفاص الصيد «القراقير» بكل عفويته وخصوصيته السابقة، عبر التنويه إلى ان هذه المكان تم نقله إلى منطقة ثانية اكثر نظافة وتنظيماً، لكن هل سيكون المكان الجديد معبرا عن المعنى الاجتماعي والاقتصادي، الذي مثله هذا المكان على مدى سنوات طويلة.

يرصد الفنان بول بينتي في عمله النتائج المخيفة للحركات والتضخمات الاقتصادية الكبرى التي عايشها في سنغافورة، وهونج كونج والصين، وصولا إلى دبي، ويرصد هذا العمل القائم على سلسلة متداخلة من الصور، ما يمكن ان تفعله هذه التضخمات بالثقافة المحلية.

وحتى الثقافة بمعناها الواسع، إلى جانب انعكاسات الامر إلى العلاقات الانسانية والروابط الاجتماعية، ونوعية العلاقة الجديدة التي تربط الاجيال الجديدة بالمكان المعولم والفاقد لأدنى درجات الخصوصية.

مبشرا بنتيجة على درجة كبيرة من السلبية تقول «إنه وسط التحول نحو العولمة والنمو المطرد، ومحاولة التأقلم مع التعددية قد يؤدي إلى انكار الخلفيات الثقافية بطريقة نهائية»، ولا يختلف الفنان فيل شيل عن مضمون الفكرة السابقة لكنه هذه المرة يمضي وفق أطر فلسفية عميقة.

عبر الاتجاه نحو الأيقونة وعلاقتها بالهوية، حيث تجمع أيقوناته الجديدة حالة من الدمج الجماعي لعدد كبير من الرموز، وخاصة الصينية منها، بحيث تؤكد هذه التجارب ان الخلفيات الثقافية والاجتماعية قد تكون في بعض الاحيان مصدر أمان للفرد، من حيث احتمائه بالجماعة.

في مواجهة سلطة القوى الاقتصادية على الفرد باعتباره فردا، ولا تخفي هذه الأعمال ميلها إلى التأكيد على الاهمية التي تتسم بها التجمعات كالنقابات، والاحزاب وغيرها من التكتلات السياسية.

حاول ديرك ويكي في عمله الابتعاد عن القراءات الجمالية لمفهوم الثقافة، متجها نحو صياغات بصرية تتخذ من النسيج خامة رئيسية، والبحث في لعبة التسلسل لجملة البيانات التي يوظفها على هذا النسيج، وخاصة الخلاصات التي خرج فيها الفنان مما يسميه الفنان أشعار النشوة في الابعاد الصوفية للديانة الهندوسية التي تعود إلى القرن العاشر والثاني عشر للميلاد.

وفي ذات السياق تمضي تجربة ثانية للفنان زولتن فيلوفوبيس، ولكن وفق مضمون اكثر قسوة، مرتبط بمفهوم الوثائق والارقام، والبطاقات التي باتت التعبير والتلخيص الامثل للإنسان المعاصر بعيدا عن اي التفاتة للإنسان نفسه.

بحيث يتلخص حضورك الانساني برقم حسابك المصرفي، أو رقم جواز سفرك، والضمان الاجتماعي والصحي بصورة عامة يمثل هذا المعرض تجربة متميزة لتجمع فني استطاع فرض نفسه عبر نوعية أعماله وعبر الجودة والمضامين الاشكالية والمعاصرة التي يطرحها.

والتي تعبر عن اهم الازمات التي يمر فيها العالم في العصر الراهن ، ألا وهي العلاقة بالآخر والمرجعيات في زمن لم يعد يعترف بشيء.

حازم سليمان