على الرغم من أن التجربة المسرحية في مملكة البحرين تمتد جذورها إلى الخمسينات، وبالرغم من وجود ما يقرب من ست فرق مسرحية أهلية تقدم عروضا في مختلف مدارس وأساليب الفن المسرحي إلا ان المسرحيين البحرينيين ما زالوا يأملون في مهرجان مسرحي محلي يضع تجاربهم على محك الاختبار ضمن مسابقة .
وضمن إطار نقدي، فالحركة المسرحية البحرينية تختلف عن بقية قريناتها في الساحة الخليجية بافتقارها إلى تجمع سنوي في إطار مسابقة أو مهرجان، ولكن ما يعوض ذلك هو ما تتبناه الإدارة الثقافية بوزارة الثقافة البحرينية من خلال لجنة تشكل سنويا لمتابعة عروض الموسم المسرحي ويتم عن طريقها تكريم العروض المسرحية المتميزة والمسرحيين المتميزين.
منذ عامين تسعى فرقة مسرح آوال البحرينية إلى خلق حالة تشبه المهرجان بالاتكاء على ميزانيتها وتمويلها الخاص، وفي العام الماضي نظمت هذه الفرقة ما يشبه المهرجان الخاص تنافس فيه أعضاء الفرقة نفسها الذين قدموا أربع تجارب مسرحية في صالات المدارس، وهذه التجارب لا تقيّم إلا من خلال ندوات تطبيقية يدار فيها حوار نقدي حول الأعمال المقامة.
مسرح آوال يقيم هذه الأيام الدورة الثانية من مهرجانه ولكن بعد ان توسعت قليلا دائرة المشاركة المحلية والخارجية، وبعد حصوله على دعم من وزارة الثقافة البحرينية، بالرغم من انه دعم لا يرضي الطموح كما يقول عبدالله ملك مدير فرقة آوال ومدير المهرجان.
ويضيف ملك الذي افتتحت مسرحيته «سرور» مساء السبت الماضي في قاعة البحرين الثقافية أول عروض المهرجان: نأمل ان تحفز فكرة آوال المسؤولين والقائمين على امر المسرح والثقافة في البحرين إلى تبني إقامة مهرجان محلي له مسابقة ولجنة تحكيم وورش وندوات فكرية وتطبيقية اسوة ببقية المهرجانات المحلية في دول الخليج.
وعلى غرار ايام الشارقة المسرحية في الإمارات، لإيماننا بأن المهرجانات من هذا النوع تفتح افق التنافس بين الفرق المسرحية المحلية وتفعّل النشاط المسرحي وتعمل على خلق مناخات جيدة لتعاطي الابداع المسرحي والحديث حوله..
ولهذا فإن تبني فرقة آوال البحرينية اقامة مثل هذا الملتقى للسنة الثانية هو اصرار لوضع اللبنة الاولى لمهرجان مسرحي بحريني محلي. اننا في هذا العام استطعنا ان نخطوا خطوة إلى الأمام، فبعد ان كانت العروض المشاركة في العام الماضي هي من انتاج فرقة آوال نفسها.
فإنه في هذا العام استطعنا ان نجذب الينا فرقا اهلية اخرى واستطعنا كذلك استضافة عرض مسرحي خارجي من الإمارات بدعوة فرقة المسرح الحديث بالشارقة لعرض مسرحية «التراب الاحمر»، واستطعنا كذلك استضافة عدد من المسرحيين الخليجيين للمشاركة في الندوات التطبيقية.
تشارك في مهرجان آوال المسرحي هذا العام ستة عروض مسرحية لمخرجين ومؤلفين بحرينيين ومن بينها ورشة الدكتور محمد الخزاعي المسرحية والتي انضم اليها عدد كبير من الشباب في برنامج تأهيلي حول تقنيات الاداء الجسدي والصوتي وسوف تعرض هذه الفرقة عملها في ختام المهرجان في السابع والعشرين من الشهر الجاري.
اما حفل الافتتاح الذي لم تصاحبه فقرات رسمية وإلقاء كلمات سوى كلمة مدير المهرجان عبدالله ملك التي ركز فيها على حاجة هذا المهرجان الوليد لمزيد من الدعم والرعاية، فقد اشتمل على عرض لمسرحية «سرور» لفرقة آوال من تأليف الشاعر البحريني ابراهيم بوهندي ومن اخراج عبدالله ملك.
وتعد مسرحية «سرور من الأعمال المسرحية الخالدة في التجربة المسرحية البحرينية وسبق ان عرضت في نهاية السبعينات بنصها الاصلي، الا ان المؤلف بوهندي وجد فيها قدرة على مجاراة الواقع الحالي حيث يقول في كلمة تقديمه للعرض:
لم اكن اتصور ان بعد كل تلك السنين الطويلة ان يضطرني هم الكتابة إلى تناول هذه المسرحية بالذات،لا لأني دفنتها في الذاكرة وانما لأن تجسيدها على خشبة المسرح بعد انقضاء ثلاثين عاما على عرضها الاول في ظل هذا النضوج الذي وصلت اليه الحركة المسرحية في البحرين.
اضافة إلى كل المتغيرات الاجتماعية على الساحتين المحلية والعالمية لا بد ان يتطلب الكثير من الحذر وان يخلق الإقدام على تجسيدها بعض الخوف من الفشل.
ولكنني على يقين بأن ما سيشاهده المشاهد من خلال الحكاية الشعبية «سرور» ذات الحضور في ذاكرة التراث البحريني سيحفز على اثارة التساؤلات حول مدلولاتها الرمزية..
اما المخرج عبدالله ملك فيبرر تبنيه لهذا العرض بالزمن الذي اختلطت فيه الاوراق وضاعت فيه المعالم والعيش في ظل كابوس الواقع، يختلط الرمز بالواقع وباللامعقول.
عرض مسرحية «سرور» يعتمد على جرأة كبيرة في معالجة الواقع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي في البحرين، لكنه بالرغم من محلية الهم الذي يندفع بفعل اللهجة المحلية المستخدمة في العرض والرموز والدلالات النابعة من البيئة من الخاصة، الا ان دلالاته تتسع لتشمل الواقعين الخليجي والعربي واللذين يمتزجان في هم مواجهة حالة الاستهلاك التي تفرضها الاحداث والمتغيرات على مجتمعاتنا..
وتنسل حكاية سرور من الموروث الشعبي الخليجي عامة والبحريني خاصة.. فهي حكاية محورها الرئيسي الطمع والجشع الذي حدى بزوجة الاب إلى قتل الطفل سرور ودفن اوصاله تحت مربط خيل ابيه، وهذه الحكاية الاسطورة دخلت إلى فضاء السرد الشفاهي البحريني مثلما دخلت إلى فضاء الشعر الشعبي.
لكن مدلولاتها تنتج متسعا من المساحة للترميز وهذا ما استطاع المؤلف بوهندي ان ينسج خيوط احداثه وحبكته الدرامية من خلالها، فسرور هي حكاية فجر السكير الذي عاقر الخمر انتقاما من واقع مؤلم لم يوفر له الاستقرار الوظيفي .
ولا الاستقرار العاطفي ولا الفكري.. حرم من حبيبته، وتسكع في الطرقات ونام على الارصفة ليتحول إلى مراقب يراقب من تدب ارجلهم فوق الشوارع ويتأمل تحولاتهم مع تحولات شروط العالم الجديد..
«جماعة تبغي وجهك متروس شعر وكل شي عندهم حرام، وجماعة تبغيك تعلق سلاسل في رقبتك وتلبس قميص وتتكلم انجليزي»®. «اذا شافوك قالوا هذا مثقف ولابد تحت راسه شي»®.
كما يتكيء بوهندي المؤلف على شخصية المجنون محمد.. هذا الذي يرعبه الشرطي و العسكري اينما شاهده..اناس تجلد وتسحل وتعذب.. فهو خائف من النطق بالحقيقة يخشى الكلام ويخشى الجواسيس..
تتداعى دلالات ورموز مسرحية «سرور» لتنال من الواقع الحالي، واقع المواطن الخليجي، أو البحريني، أو العربي وما يفعله الغريب من فعل.. ويتكئ النص كذلك على لغة شعرية تعيد الى الذاكرة المسرح الشعري الذي غاب كثيرا عن التعاطي والتناول، ومثلما تحضر الصورة الشعرية يحضر الكشف والفضح من خلال الفعل الدرامي المتنامي..
ومن خلال الكشف الذي يوفره التعاطي مع الفكرة البريختية في المسرح التعليمي والمسرح الذي تنكشف لعبته من الوهلة الأولى.. فمسرحية سرور رافقتها منذ البداية مقدمة بصوت المؤلف نفسه يسبب اعتماده على حكاية من الموروث الشعبي بغرض النيل من الواقع المعاصر.. ثم تأتي المواويل والصرخات الغنائية لتعيد تدوير المعنى والتأكيد عليه..
المنامة ـ مرعي الحليان: