(1) تخرج مريم الصغيرة من بيتها الطيني وتركض على ساحل الخان في الشارقة.. بحارة اسمرت سواعدهم من لفح الشمس يصعدون إلى سفينة اسمها (الأرزاق) .
ويغادرون باتجاه الغرب لتحدي الموجة اللعوب ولاصطياد الثمرة البيضاء النائمة في الأعماق المظلمة للخليج.. تجلس مريم تراقب اختفاء الباخرة في قرص الشمس وتنقل لها الرياح البحرية صدى النهمات البعيدة.
(2)
تستيقظ شما الصغيرة على صياح الديكة وتغاريد البلبل الصداح في الريف النائم وسط جبال الفجيرة.. وحين ترتفع الشمس فوق الكتل الصخرية العالية يكون الثور قد بدأ بالحراثة..
وتكون الأيادي قد امتدت لقطف الأثمار في السهل الأخضر.. نقطة عرق كبيرة تسقط من جبين الأب على بذرة جافة فتولد الحياة من جديد تحت الشمس.. تتسلق شما الصغيرة شجرة عالية لتراقب أعشاش اليمام فتجرحها شوكة المغامرة ويرعبها التدلي من الغصن المكسور.
(3)
في صباح شتائي قارس تصعد مهرة الصغيرة على ناقة الريح وتعبر مع والدها الصحراء الشاسعة من مدينة العين إلى دبي.. وحين تصل إلى المدينة بعد ثلاثة أيام تتسع حدقة عينها في الأسواق المطلة على الماء..
تجار وبحارة وبدو ومزارعون يتبادلون البضائع والأموال.. سفن صغيرة تنقل المؤن إلى السفن الكبيرة الواقفة في عرض البحر.. وحين لا تجد شما شيئاً أو لعبة بين الدكاكين، تسرح بنظرها إلى السماء لتراقب النوارس وهي تحوم على بقايا الزبد او وهي ترتاح على صواري السفن القادمة من كل الجهات.
(4)
إبراهيم وسيف ومروان.. ثلاثة صبية يتسابقون فجرا على ساحل الجميرا لاصطياد سرطانات البحر الصغيرة التي يقذفها الموج على الرمال الناعمة.. وقبل الضحى يدخل الثلاثة إلى بيت المطوع لاستكمال حصص حفظ القرآن..
وعند الظهيرة يرتفع الآذان فيتوافد البحارة للصلاة والدعاء بدوام الرزق.. ثم في العصر تتكرر لعبة البحث عن السرطانات في المشهد الذهبي الأخاذ حتى الغروب.
. وحين يخلد الثلاثة الى النوم ترن في آذانهم أصوات السمر وحكايات البحر والجنيات.. وقصص البارود القادم من سفن البلاد البعيدة.
(5)
لثلاثة أيام هطل المطر غزيرا على الجبال الصخرية في رأس الخيمة.. الوديان التي تحجرت في جفاف السنين عادت لتمتلئ وتفيض بعنفوان الطبيعة..
الثعالب البرية تسللت بين المنحدرات لتروي ظمأ المتاهة.. كان سكان الجبال يومها يحتفلون بميلاد وليدهم الجديد أحمد بإقامة الولائم وتوزيع الذبائح..
رائحة الشواء الطيبة انتشرت في القمم المستحيلة وشعر الجميع أن ولادة كل طفل في تلك القمم تمثل عنوانا لانتصار الإنسان على قسوة الطبيعة.. وان الحياة استمرار دائم لمعنى التحدي الذي يبدأ مع صرخة كل طفل جديد.