تستضيف صالة آرت سبيس في دبي الفنان السوري سبهان آدم ضمن معرض فردي يضم ثلاثين لوحة تكسر تقاليد الرتابة في مضامينها الإنسانية المؤلمة المدهشة..
وأشكالها المتباينة من حيث بياض اللوحة الأولى ونوعية وقياسات الورق أو القماش، ومن حيث الصيغ اللونية الجافة والمركبة أكان بالفحم أو الباستيل أو الاكريليك مضافاً اليها مواد أخرى.
وفوضوية تلك الألوان المربكة التي تضفي على شغل سبهان حالة من التجريب والتجريد معاً، تجريب حين يرتدي «جذع» الوجه ألواناً تتباين بين البرتقالي والأخضر والأحمر والأصفر..
أو خلفيات داكنة تتمايز في كسر جمودها بضربات لألوان مشاكسة.. وتجريد حين يجرد اللون من مفاهيمه السائدة، ويمنحه حضوره البصري والدلالي في اللوحة تبعاً لانزياحات التشكيل والتركيب.
ولا يتوقف تجاوز سبهان للمألوف باشتغاله على تجاوز الرتابة بفوضوية مرتبة على طريقته الخاصة، بل في عفويته بالاستفادة من التيارات التحريفية في الفن، وفي علاقته مع الخطوط والأشكال.
فثمة أعمال تظهر فيها حرفية عالية تبلور شخصيته المتمايزة عما التقطه بعفوية، وثمة أعمال تبدو للوهلة الأولى كأنها بريشة طفل وخاصة تلك الأعمال السريالية التي يخلط فيها بين ما هو إنساني وما هو حيواني..
وتفرده يكمن في استطاعته تجاوز التحريف أو التشويه أو ما يمكن أن يطلق عليه بالفن القبيح إلى انزياحات في المفاهيم الجمالية تمنح للملامح غرابة أوعجائبية لكنها مألوفة.
وللمعنى أو الفكرة أو الدراما، الأولوية أو الطغيان.. وان كانت شخوصه في اغلبها تشبهه أو تشبهنا من حيث المبدأ، فإنها في انزياحاتها تمزق الروح وتثير الألم والقهر والفزع.
وبأوضاعها ككل ثمة قاسم مشترك هو الاستلاب بأشكاله المتوالية التي تمنح للفنان مجالاً لتكرار الوجوه بوضعيات متباينة، فقد تتمظهر حالات الاستلاب في تهدل ملامح الوجه وسقوط بؤبؤي العينين.
وغياب الرقبة والأطراف لتصل إلى اقسى حالات القمع المتمثلة بتحويل جسد الرجل إلى حيوان ضعيف له ذيل وتعليقه بخيوط أو حبال من الشمع الأحمر في فضاء موحش تنذر بترقب سخط قادم يثير الفزع.
وان كان التعبير عن حالات الفزع عادة بصرخة ما أو نظرة ما أو تشنج ما، فإن حالات الفزع عند سبهان متشكلة في الوجوه منذ زمن بعيد، وكأنها في مسامات كل الملامح.
وفي الحالات التي تكون فيها لجمجمة سبهان أجساد ما، فإن تلك الأجساد إما مقمطة أو هزيلة أو في طور التلاشي أو الانقراض أو التحول إلى إشارة استفهام أو شكل ما يثير الدهشةوالأسئلة المركبة..
وفي أغلب الحالات تغيب اطراف هذا الجسد الجذع وتتبدل ألوانه تبعاً أو هروباً من التكرار أو الرتابة ضمن العائلة الواحدة التي تعيش عزلة ما أو حالة تصالح مع ذاتها المستلبة في حيادية مؤرقة وموحية بدلالات عميقة لا تنغلق على معنى ما..
ولأن ثمة تصادما وتناقضا بين حرفية سبهان وعفويته من جهة وتمظهرات انفعالات شخوصه ضمن تباين تجاربه من جهة ثانية، فإن غياب الاطراف من عائلة ما يقابله في وجود أخرى حركة للملامح لا تبتعد كثيراً عن فعل تلك الأطراف.
فثمة أنوف تتحول رويداً رويداً إلى أصابع تبحث في فراغ الاختناق عن غبار أوكسجيني، وعيون تخرج من محاجرها لتصير انوفا أو آذانا تحاول مشاهدة الآتي من مواكب الأحزان أو سماع انين العزلة وحفيف الخوف.
. ويشدك سبهان إلى كل ذلك بتحيده لدلالات اللون حين الذهبي والفضي والأسود يتركان لك متابعة انزياحات الملامح بغرائبية مربكة للوهلة الأولى، لكن حدة التعبيرات الموحية تمزق المفاهيمية السائدة من جديد لتشركك بعالم الفنان ككل.
ولا تأخذك إليه فقط، فالذاتي عند سبهان يتصادم مع الخاص أو النرجسي، ويبتعد كثيراً عن العام العائم، ومكمن ذلك في أن وجوهه تحتمل الكثير من تأويلات الوجودالإنساني وتناقضاته.
. وثمة أشكال تنظر إليها فتجدها في حالة تحول دائمة، كرجل يتحول إلى غراب أو غراب يتحول إلى رجل أو رجل ينقرض رويداً رويداً...
وفي كل حالات هذه الانزياحات مفاهيم متجددة متصادمة متقاربة عن الوجود والعزلة والتوحد بين ما هو داخلي وما هو خارجي في حالات متباينة من درجات الاستلاب ..وربما بعض حالات الإستلاب تلك تستحضر المرأة الغائبة مفاهيميا.
حيث ان وراء استلاب الرجل لها استلاب أكبر بكثير من ان تتسعه اللوحة أحياناً وقد لا تتسعه ابداً، مما يفتح الباب دائماً أمام سبهان ادم للتجريب والتجديد في سلالاته المستلبة.
محمود أبو حامد