تمتد في دبي أروقة المعارض في كل حين، حتى ليكاد يأخذ بعضها برقاب بعض، وتأتي في شتى العلوم والفنون والمعارف الإنسانية، ولكل منها رواد ومتخصصون ومترقبون، فاستعذب الناس وردها، ولفتت الأنظار، فاستحقت الدراسة والتأمل وخاصة معارض الخط العربي.

بدأت معارض فن الخط العربي تتشكل في الإمارات عموماً وفي دبي خاصة، منذ ثلاثة عقود من الزمن، كان الخط قبلها وسيلة تدوينية تخدم مراسلات الدواوين والمعاملات التجارية، وفي هذه العقود الثلاثة فتحت الأبواب لوفود أعمال الخطاطين من الدول العربية والإسلامية.

وكانت مثراة لفن الخط العربي وعاملاً فاعلاً في توجيه مسار الحركة الفنية ونهجها المتنامي في البلاد، ونشأت في العقدين الأخيرين روح الاقتناء والتداول للوحات الخطية قديمها وحديثها، وواكب ذلك نشاط حافل في تعليم الخط وتعلمه.

وعلت وتيرة الكتابة فيه، وتوالت الإصدارات، وعقدت الدورات والندوات، وألقيت المحاضرات واتجهت إثر ذلك بعض المواهب المواطنة الشابة إلى الاستزادة من هذا الفن بالسفر إلى الخارج للدراسة.

وخاصة إلى تركيا، ثم برزت المؤسسات الرسمية ذات الاختصاص والأهلية من المجتمع المدني التي أولته الرعاية من ضمن فنون أخرى أخذت مكانها على أرض البلاد.

اتخذت معارض الخط العربي صيغاً متنوعة، فمنها الفردي والثنائي ومنها الجماعي، ومنها ما جاء متواتراً على شكل سلسلة تقام كل سنة أو سنتين وعلى نطاق يشمل الكفاءات المحلية والدولية.

نحت دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي هذا المنحى، حين أدخلت إلى أنشطتها المختلفة موضوع فن الخط العربي بمعرضها الأول الذي أقامته في بيت الشيخ سعيد في الشندغة سنة 2004 م. وأردفته بمعرضها الثاني الذي أقامته في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية بشارع الرقة سنة 2005 م.

وهاهي تكمل هذه السلسلة بمعرض ثالث أقامته في فندق البستان روتانا في دبي هذا العام، دعت إليه - كما في سابقيه - خطاطين ومقيمين ومازجت أعمالهم بأعمال خطاطين من خمس عشرة دولة.

والتقى في مغاني دبي اثنان وثلاثون خطاطاً وخطاطة، عرضوا ملكاتهم الفنية في مئة واثنتي عشرة لوحة، حملت على صفحاتها شتى أنماط الخط العربي وزخارفه تحت مسمى: معرض دبي الدولي لفن الخط العربي - الدورة الثالثة عالج الخطاطون المشاركون في هذا المعرض اثني عشر نوعاً من الخط وهي:

الثلث والثلث الجلي والنستعليق والديواني والديواني الجلي والكوفي التقليدي والكوفي التربيعي والكوفي المصحفي والمغربي والنسخ الدقيق والجلي والحلي والطغراءات

وتم تخصيص ركن اشتمل على مراجع الخط العربي وأمشاقه وأدوات الخطاطة، تحت مسمى: سوق الخطاطين لإتاحة الفرصة أمام الخطاطين والزائرين للتزود بها أو الاطلاع عليها.

ولتوثيق الأعمال الفنية وإسنادها والتعريف بالخطاطين وأنسابهم الفنية، أعد القائمون على المعرض كتاباً من القطع الكبير، وقع في ست وسبعين صفحة، استفتح بصورة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي وهو يطالع حليةً للخطاط السوري عبيدة البنكي عرضت في الدورة الأولى سنة 2004.

ومجموعة من صور اللوحات التي عرضت في الدورة الثانية عام 2005 كما تضمن الكتاب مقدمة تحت عنوان دبي..... سدرة الفن، والسير الذاتية للخطاطين المشاركين وصورهم الشخصية وصورة عمل واحد لكل خطاط مشارك.

أهداف المعرض

إن المتابع لنشاط دائرة السياحة والتسويق التجاري، في دبي في هذا الخصوص، يستبين من خلال تواتر المعارض الفنية التي أقامتها، أن ذلك جزء من خطتها طويلة الأمد، إن كان من حيث الفكرة أو السمة الدولية في المشاركة.

ويأتي عرض الأعمال الخطية لخطاطين من أهل البلاد والمقيمين على أرضها والوافدين إليها، تبياناً واستجلاء لما جادت به ملكاتهم الفنية عبر تحصيلهم إن كان ( من منازلهم ) في فترة الدراسة أو دورات ينتظمون فيها أو معاهد يدرسون فيها أو بعثة تتلمذوا فيها على يد شيخ مجاز.

وبعرض هذه الأعمال مجتمعة تتلاقى رغبات المشاركين في بيان ما استطاعوا إنجازه، في صور فنية بارعة، بشغف المشاهدين في رؤية أعمال ترقى إلى مستوى عال من الإبداع (فرؤية الماء تذكي غلة الصادي).

وبالمعاينة والحوار الذي ينشأ بين المشاهدين والنتاج الفني تارة ومع الفنانين تارة أخرى تنمو وشائج العلاقة الواعية المستنيرة، التي تفضي إلى بناء مجتمع يثمن الفن ويقدره حق قدره.

وفنانين يحرصون على تقديم فن راق هادف ذي منهاج مقنن وقواعد محكمة، لتبرز أعمال فيها تنافس وتغالب وسعي دؤوب لبلوغ الأفضل.

كما أن اللوحة الفنية سواء أكانت رسماً أو خطاً هي رسالة ناقلة للمعنى والفن والجمال، كما أنها لغة وفن ومهنة، غير أنها أكبر أثراً في النفوس، فهي تقري العين جمالاً والأذن سماعاً وتطرح مفهوماً أو ترسخ قيمة من القيم.

المعرفة الكيفية KNOW HOW

ومن أجل الربط بين الجانب النظري في عرض اللوحات، والجانب العملي، أعد القائمون على المعرض ركناً للورش الفنية، وهي بيان عملي يفصل الخطوات المتراتبة لإنجاز عمل فني أو صناعي أو تشغيلي.

وهي ما يعرف بالمعرفة الكيفية، وفيها يكون المتلقي اشد قابلية لاستعياب المعلومات، ( فليس الخبر كالمعاينة ). وفي هذا الركن قامت ورش فنية في الكتابة، منها ورشة خط النستعليق للخطاط الإيراني أمير فلسفي جود فيها خطه أرقى تجويد.

وأبان أسرار نقط الوصل والفصل، وطرق استخدام أجزاء من سن القلم في بعض المواقع، وبدايات بعض الحروف والتفافاتها. بالإضافة إلى ورشة التذهيب التي أقامتها الخطاطة والمذهبة التركية آيتن ترياكي.

وفي الحاضرات ألقى الدكتور نبيل فتحي صفوة الباحث قي الفنون الإسلامية محاضرة بعنوان كتاب تحفة الخطاطين، ( لمستقيم زاده - ت 1788 )، والذي يقوم بترجمته، وستقوم بطباعته جامعه هارفارد الأميركية.

كما ألقى الخطاط التركي محمد أوزجاي محاضرة بعنوان: خط الثلث في المعالم الإسلامية ( المساجد والعمائر والأسبلة والأضرحة )، عززها بعرض للشرائح الشفافة الملونة.

المعرض في الميزان

كانت مظاهر الجودة بائنة في العديد من اللوحات المعروضة، وفيها للمران يد لا تخفى على عين المشاهد، كما أن الحرفية والمكنة غلبت عليها، استكرمها أصحابها فاستحسنها المشاهدون، لأن الخطاطين التزموا بأحكام القواعد الخطية.

وموازينها، وما راعهم استبدادها المحبب، وأحسنوا اختيار النصوص والحبر والورق والأقلام، ولم يشغلوا فضاء اللوحة كله بل فسحوا المجال لهامش محايد لإراحة العيون، وصاغوا تراكيبهم في يسر ولين وأخذوا خطوطهم بالإصلاح والتثقيف، وهم أساتذة خط يستشهد بأعمالهم ويؤتم بها.

ومن هذه الشريحة الخطاط التركي محمد أوزجاي، شارك بلوحته ( هذا من فضل ربي )، أظهر فيها مقدرته على إخراجها بمضاء حواف الحروف وبسطها وقبضها وانفراج ما بينها مع رطوبة ولدانة وإشباع.

وصاغ شكلها العام في عدالة من التوزيع وأسقط حركات الاعجام في مواقعها بين أيدي الحروف وجانب الازدحام وخفف التشابك، فكان الحرف فيها أبين وأنور، وخيل للمشاهد أنها سهلة إلا أن ذلك هو السهل الممتنع. فاستعادت الذاكرة أعمال خطاطي القرن التاسع عشر.

وعثمان اوزجاي في لوحة الحب.... الحياة، إن أردناها تسويداً ( قره لمه ) ودرساً أكاديمياً كان لنا ذلك، وإن أخذناها على جهة اللوحة فهي لوحة تحمل مضموناً شاملاً بنص موجز واسع التأويل والشرح.

أما أمير فلسفي/ من إيران في لوحة ( الفاتحة ) بحروفها المسبوكة كسلاف العسل، ومداتها المتساوقة في ائتلاف وتناغم وتجاورها بلطف مرة وتراكبها بسلاسة، وشيوع انحناءاتها بلا اعتساف ولا مزاحمة، وتكرار تشابه الحروف من غير تطابق، تصح بها دعوانا إن قلنا إن أمير فلسفي هو أمير خط النستعليق الدقيق في عصرنا هذا.

وحاكم غنام من العراق في لوحته ( ففروا إلى الله ) ذات الهيئة المتناظرة، وبلونها البني، وفي خط الثلث الجلي، ناظر فيها كل حروفها حتى توقيعه ما عدا لفظ الجلالة ( الله )، إذ رفعها مكاناً علياً في سنام اللوحة، مستمسكاً بآداب الكتابة المتناظرة وتقاليدها.

وقد أظهر حاكم في لوحته الأخرى ( وما توفيقي إلا بالله ) براعته في إتمام التماثل الكامل مع صعوبته بين شقي اللوحة، وبدا في اللوحتين إشباع الحبر تارة، وعطشه تارة أخرى حسب مقتضى الحال، كما أن ما قدمه من أعمال في هذا المعرض فاقت أعماله السابقة مما يؤكد عكوفه على التمرين المتواصل.

أما شيرين عبد الصابر عبد الحليم من مصر، فقد كان مفاجأة المعرض في سبك حروفه وبراعة التركيب، وتوازن النص، وظهرت على حروفه سمات حروف سامي (الخطاط التركي الشهير) وإن ثابر شيرين على التمرين فإنه يبشر ببروز نجم في حقل الخطاطة.

إن استعراض النماذج، لا يقلل من أهمية الأعمال الأخرى، لأن المقام لا يتسع للتعرض لكل الأعمال، فمن الخطاطين المشاركين من أعطى ما في وسعه، فقدم أعمالاً جيدة، غير ان منهم من لم يسعفه الوقت فكتب عن ظهر يده، ومنهم من ظهرت في أعماله القطيعة مع التمرين فجاء حرفه فطيراً ومتكلساً وتراكيبه مستكرهة.

ومجمل القول: إن المعرض قد حقق نجاحاً بائناً وجمع أعمالاً لأساتذة وتلاميذ مجتهدين وموهوبين يشقون طريقهم في معارج الفن. فألف بينهم فن الخط رابطة التواصل من أجل التعلم والاطلاع على أسراره وتطوير فن الخطاطة إلى ما هو أفضل، كما سجل المعرض شغف المؤسسات الخاصة كشركة إعمار العقارية في رعاية فن الخط.

ومركز جمعه الماجد لمخطوطات التراث في المشاركة والاقتناء، والأفراد من نخب المجتمع المثقفة، ولدى افتتاح السيد جمعة الماجد للمعرض حضر أصحاب المعالي والسعادة: عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع.

ود. أنور قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني، ومحمد احمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي وبلال البدرو الوكيل المساعد في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع.

وخالد بن سليم مدير عام دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي، وأحمد المطروشي العضو المنتدب لشركة إعمار العقارية، وإبراهيم الهاشمي المدير التنفيذي لشركة إعمار وعبد الله العويس مدير عام دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة.

والدكتور خالد آرن مدير عام إرسيكا ومروان بن بيات المشرف العام على المعرض. كما زار المعرض في الأيام التالية سمو الشيخ سرور بن محمد آل نهيان رئيس ديوان صاحب السمو رئيس الدولة.

وقد شكل المعرض بزائريه الكثر كثافة الاستفسارات عن تقنيات الكتابة وأدواتها ومعاني نصوصها ومراميها. إن تبني دائرة السياحة والتسويق التجاري لهذا المعرض استلزم العناصر الأساسية في التخطيط والإعداد والتنفيذ والمتابعة بفريق عمل متميز مكون من احمد محمد حسن.

ومحمد مندي وفاطمة سعيد وحكم الهاشمي وناصر جمعة ومحمد رشيد وفوزية الزرعوني ووضحة علي وعائشة الطيب، وقد قاد هذا الفريق بنجاح مروان جمعة بن بيات مدير الفعاليات بالدائرة والمشرف العام على المعرض.

وباقتران هذه الرؤية الواضحة بالهمم المتوثبة، تم التعاون على أحسن صورة مع مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية ( إرسيكا ) تخطيطاً وتبادلاً للمعلومات مع منظومة ذات خبرة واسعة مكونة من الدكتور خالد آرن .

ومحمد التميمي وسعيد قاسم أوغلي. إن حسن التناول للمعرض وانسيابية الإجراءات والترتيبات أثمرت من خلال السعي الدؤوب والأهداف المشتركة صورة رائقة لهذا المعرض وما كان ذلك ليكون إلا بالعزيمة والصبر وخير الأمور عوازمها.