«أمحمد عزوي» واحد من أهم المعنيين بالأدب الشعبي، والموروثات الأدبية، وهو أستاذ للأدب الشعبي بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة سطيف الجزائرية وقد عني «عزوى» بالأدب الجزائري بوجه الخصوص بحكم مولده، وكان هذا الكتاب هو أطروحته لنيل درجة الماجستير، غير أنه وببراعة نادرة استطاع أن يخلص هذه الرسالة من الرطانة الأكاديمية،
لينتهي بنا إلى كتاب شائق يسترضى جميع الأفهام، فقد اختار الطريق الصعب لمنطقة وعرة جغرافيًا، وهي «الأوراس» التي تتكون من مجموعة شاهقة من الجبال الممتدة من أقصى غرب الجزائر وحتى الحدود التونسية ليرصد لنا حكايا هذه البيئة القاسية وموروثاتها الحكائية.
وقدم الأديب المصري خيري شلبي لهذا الكتاب مؤكدًا أنه يعد بحثًا للموروثات الحكائية، وأن أهميته ترجع إلى أن الموروث الحكائي الذي يبحث فيه ليس موروثًا جزائريًا فحسب، حتى وإن كان في منطقة معينة من الجزائر وهي «الأوراس» إنما هو من المحيط إلى الخليج، ذلك أن الوجدان العربي الشعبي خليط من مزاج أفرو آسيوي،
ولكن بمذاق عربي كثيف، إذ إنه عصير حضارات قديمة نشأت في هذه المناطق من مصر القديمة، إلى بابل وآشور، إلى تأثيرات الرومان في منطقة الهلال الخصيب، والفرس في منطقة الخليج العربي، إلى أن جاءت الثقافة الإسلامية لتعيد صياغة الوجدان العربي والإسلامي، فتطبع كل الموروث الحكائي القديم بجوهر الثقافة الإسلامية، وإن احتفظ الموروث بتأثيرات عقائدية، سابقة على الإسلام،
غير أنها تواءمت وانسجمت في بوتقة العقيدة الإسلامية التي احتوت كل العناصر بأريحية وسطية تتقارب فيها جميع الأطراف إلى حد التمازج ومن المؤكد أن البحث في الموروث الحكائي في منطقة الأوراس الجزائرية هو بحث في الموروث الحكائي العربي من منظور تاريخي تحليلي نفسي، وفي ضوء الدراسة التحليلية التي تقدم النص القصصي وتبحث في جذوره التاريخية ومفاهيمه،
وأصوله الفنية، وما دخل فيه من مؤثرات، والبحث عن القيم الاجتماعية، والدينية، والإنسانية، والحضارية التي يتضمنها هذا النص الشعبي أو ذاك، مع دراسة اللهجة، واللغة، والرمز، والمضمون الأسطوري، والخصائص المشتركة في بناء القصة الشعبية وفى ضوء هذه الدراسة العلمية الشاملة، المكتوبة بلغة ترقى إلى مستوى الأدب الرفيع، يتعرف القارئ العربي على أصوله الوجدانية،
وعلى روافده التي ظلت متصلة طوال الأزمان، رغم التباعد الجغرافي بين بلادنا، التي هي في الحقيقة عائلة كبيرة رهيبة، خلاقة، مبدعة، هي الأمة العربية التي لولا ضغائن الطبقات الحاكمة لكانت خير أمة أخرجت للناس، وتستهدف هذه الدراسة القيمة لـ «أمحمد عزوي» أربعة مجالات هي: المجال الأول: يتعلق بالعمل الميداني،
ويتمثل في عملية جمع النصوص من الرواة مباشرة في البوادي والقرى، حيث الحياة مازالت عندهم لم تتعقد بعد، وحيث إن إيمانهم بحقيقة النصوص لم يتطرق إليه الشكوك المجال الثاني: ويتمثل في الدراسة الموضوعية للنصوص المجموعة، ومن خلال مفهوم القصة الشعبية من المنظور الشعبي على أساس أنها حقائق لأحداث وقعت في زمن ما، ولأناس عايشوا هذه الأحداث،
ومن المنظور الدراسي على أنها تصور لمعاناة الإنسان، عبر عنها بشكل متخيل، هذا الشكل أوجد فيه واقعًا افتراضيًا لما يجب أن يكون من فرضيات مختلفة كذلك تطرق ـ الكتاب - لقضية مهمة بالنسبة للقصة والتراث الشعبي بصفة عامة وهي قضية الاهتمام بهذا التراث، التي اكتشف الكاتب أنها تسير نحو الزوال إذا لم تتكاتف الجهود لتسجيله والحفاظ عليه على الأقل،
ووجد ـ عزوي ـ أن الدراسات في هذا الميدان قليلة جدًا إذ ما قورنت بالدراسات في الدول الأخرى المهتمة بتراثها!! كما تعرض لأصول القصص الشعبي، فوجد أنه من غير الممكن الوقوف على أصوله ومصادر نشوئه، وبذلك اعتبره تراثًا إنسانياً عالميًا مشاعًا بين الناس، ولا يخص منطقة معينة دون المناطق الأخرى وعن مصادر المؤثرات التي تأثرت بها الحكايا والقصص الأوراسية يؤكد- عزوي- أنها متنوعة،
ويخص منها بالذكر الدين الإسلامي الذي أعطى لها ظلالاً تتحرك بداخله، كما كان للقرآن الكريم أثره الواضح في ذلك ووجد أن أنواع القصص المتداولة في المنطقة لا تتجاوز خمسة أنواع، وهي: قصص السلاطين، والقصص الديني، والقصص البطولي، وقصص الحيوان، وقصص الجن والغيلان، واختفت تمامًا عن ذلك القصص الغرامية، وذلك لأسباب اجتماعية ودينية أما المجال الثالث من المجالات التي استهدفها الباحث،
فقام فيه بتحليل النصوص الشعبية أو المرامى التي تسعى إلى تحقيقها، وتوصل إلى أنها لم تأت هكذا، فقد عبَّرت عن قضايا إنسانية يعيشها الإنسان في كل مكان، كما توصل إلى مجموعة من القيم التي أرادت القصة أن تحققها من خلال أبطالها هذه القيم يمكن اعتبارها فطرية في الإنسان، فهي تنبعث من داخله لتوجيه سلوكه الحياتي، وتعمل كضوابط أمام جموحاته، حتى لا يفقد جوهر إنسانيته؛
أما القيم التي استخلصها أمحمد عزوي من النصوص المدروسة فهى القيم الاجتماعية، والقيم الدينية، والقيم الإنسانية، والقيم الحضارية، مع تحليل لنص «قاضي الحمام» وينتهي المطاف إلى المجال الرابع والذي يتناول الدراسة الفنية للنصوص الفنية على عدة مستويات
هي: المستوى اللغوي: إذ المعروف أن القصة تروى في المنطقة بلغتين أو لهجتين: أـ اللهجة العربية، والتي قام «عزوي» بمقارنتها مع اللغة العربية الفصحى، وما حدث من تغييرات على البناء القاعدى لها، ووحد أن هذه اللهجة قريبة الصلة بالفصحى، غير أنها تخلت عن الضوابط الإعرابية،
واعتمدت السكون وسيلة في نطقها مما جعل الطابع لإيقاعي مميزاً لها، كما ظهرت فيها مفردات جديدة لا أصل لها في الفصحى ب ـ اللهجة الشاوية: وهي فرع من فروع اللغة البربرية القديمة، وتعتبر لغة خطاب، وقد تعامل «عزوي» معها انطلاقًا من اللغة العربية، وأجرى مقارنة بينهما في كثير من أوجه الاستعمال، وهي كذلك تعتمد على السكون في نطقها،
كما تناول الرمز في النص الشعبي، والطريقة التي استعملها القاضي الشعبي كوسيلة معرفية دلالية فكرية، حيث يعجز التعبير اللفظي عن ذلك، فيعتمد على الرمز لتحميله وظيفة مهمة بقصد تحقيق غرض معين كما تناول الأسطورة في مضمون النص الشعبي، وأبرز «عزوي» مجموعة من الأساطير التي هي بقايا لأساطير الآلهة القديمة، وإن اختفت الآلهة، فإن ظلالها باقية إلى الآن،
واعتبر هذا دليلاً على قدم النصوص المتداولة في منطقة الأوراس ثم أبرز وظيفة الأسطورة في النص القصصي على أنها وسيلة اتصال، تقوم بعملية اختصار للزمان والمكان، ولا تحتاج إلى عملية وصفية داخل الحدث.
(وكالة الصحافة العربية)