جمعتهما الدراسة والأيام الخوالي في «دمشق»، حيث قدم «عبدالسلام العجيلي» من مدينته «الرقة» ليدرس الطب، بينما فضل «نزار قباني» دراسة الحقوق، ورغم أن «العجيلي» كان أكبر سناً إلا أنهما كانا أكثر من صديقين،
فكانت المفارقة الجميلة أن كلا منهما بدأ من حيث انتهى الآخر دون أن يشكل هذا الأمر أية إشكالية لديهما، فقد ترك «العجيلي» الشعر ليبدأ رحلته الإبداعية مع عالم القص والرواية وحكايات الناس التي اختزنها وعايشها، بينما توقف «نزار» عند محاولاته القصصية الأولى ليبدع في الشعر.
الشاب الأشقر والشاب الأسمر كانا دائماً على تواصل حتى وإن باعدت بينهما المسافات والمدن، فعلى الرغم من مشاغلهما الكثيرة إلا أنهما لم ينسيا أبداً اللقاء حتى وإن كان على غير ميعاد، حتى ان «العجيلي» كان يشعر بالسعادة عندما يتحدث عن «نزار» ومواقفه الجميلة التي لم يتخل عنها يوماً،
ففي احدى المرات كان «العجيلي» في «باريس» وقد وصلته برقية تطلب منه اللحاق بأحد مرضاه إلى «لندن»، فاتصل يسأل عن «نزار»، وكان يعمل في السفارة السورية، فلم يجده وقد ردت عليه العاملة الإنجليزية، فأخبرها أنه قادم إلى «لندن»،
وأكد عليها أن تخبر «نزار» بذلك، وذكر لها اسمه أكثر من مرة، لكنه عندما وصل إلى المطار، فوجئ «نزار» عندما رآه وقال له: «ما الذي أتى بك، وقد أخبرتني السكرتيرة أن «أوجيني» قادمة وليس «العجيلي»..؟!
«أروع حضري عرفته البادية، وأروع بدوي عرفته الحاضرة»، التعبير الذي كان يردده «نزار» كلما سأل عن العجيلي، الذي لم ينس شقاوات صديقه فأرسله إلى إسبانيا حالما استلم وزارة الخارجية، مدافعاً عن هذا القرار قائلاً: «لو كان الأمر بيدي لأرسلت كل من لديه موهبة أدبية إلى الأندلس، وقد زرت هذه البلاد وكتبت عنها».
كلاهما رحل في الربيع.. بعد أن جمعتهما الذكريات والمواقف والأدب الأصيل النابع من تجربة ثرة، في زمن إبداعي أصيل، يشهد على خصوصية وفرادة ما قدماه.. «نزار» في منفاه الذي اختاره في لندن، لتحضنه دمشق بناء على وصيته، وتسمي شارعاً جميلاً باسمه، و«العجيلي» في مدينته التي أحبها حتى الصميم، وأهدته تمثالا نصفياً زينت به القاعة الرئيسية لقصر الثقافة فيها.
ربما سيمضي وقت طويل حتى ندرك معنى الفقد والبعاد، ونحن نرى رواد الأدب العربي يرحلون واحد تلو الآخر، تاركين حكاياتهم وإبداعاتهم وترحالهم بين المدن والأنداء، في الوقت الذي نطالع فيه كل يوم عشرات الأعمال الأدبية الضحلة.. ربما كان السبب رخاوة الحياة وفراغها الروحي والمعرفي.
ورغم أنني لست من هواة الترحم على الزمن الغابر الجميل، إلا أنني أجد نفسي مضطراً للاعتراف أننا لن نسمع بعد اليوم حكايات تتلألأ كقناديل اشبيليا، وأحاديث العشيات، ولن نطالع قصائد شفيفة تهرب منها الكلمات المبدعات لتستقر في ذاكرتنا ووجداننا.. رحل «عبدالسلام العجيلي» ومن قبله «نزار قباني» وبينهما «محمد الماغوط» وغيرهم الكثير، ولم يبق لنا إلا خريف هذا الزمن الأغبر الرديء.
alomawi@albayan.ae