الدعوة لحضور نشاط فني طلابي، غالبا ما تضع إشارات استفهام حول طبيعة هذا النشاط وأهميته، وبالتالي تصبح متابعته ضربا من ضروب المغامرة على أن لا يضيع وقت المتابع سدى وهو يراقب محاولات لم تقترب للمستوى الذي توقعه، وعلى الرغم من أن الاستثناءات قليلة، إلا أننا نستطيع ان نقول ان العرض المسرحي الذي دعينا إليه من قبل طلاب الجامعة الأميركية في دبي هو أحد هذه الاستثناءات،
فهي المرة الأولى التي أتيح لي أن أتابع عرض فردريكو غارثيا لوركا «عرس الدم» بهذه الصيغة البصرية المتمكنة، وبقراءة إخراجية أضاءت مفاصل هامة في النص، وعرس الدم، نص له خصوصية في أنه نقل شاعر اسبانيا الكبير لوركا من زمن الشعر إلى زمن المسرح بامتياز،
وبالتالي هذه المسرحية قدمت لوركا كأحد كبار كتاب المسرح في أوروبا خاصة بعد أن كتب لاحقا «يرما» و«بيت برناردا ألبا»، ويبدو أننا نحن العرب مغرومون بأجواء لوركا لأنه يقدم مقاربات درامية قريبة من مجتمعاتنا العربية وفيها النفس الشرقي الذي جعله يدخل أبواب الثقافات العربية دون استئذان،
وجاءت الفكرة مدعومة أكثر من قبله حينما أعلن انفتاحه على الشرق العربي، ومخيبا آمال الغرب بكتابته لقصيدة كبيرة أعلن فيها كرهه لنيويورك. كتبت هذه المسرحية عام 1933م وكان لوركا في الخامسة والثلاثين من عمره، صحيح أنه كتب أعمالاً كثيرة للمسرح قبل هذه المسرحية، غير أن شهرته كشاعر كانت لا تزال هي الطاغية.
وأحداث المسرحية تدور، حسب النص الأصلي، في منطقة ريفية جبلية أندلسية غير بعيدة عن (قشتالة). ففي يوم زفاف فتاة حسناء على حبيبها، تتغير الأم رأسا على عقب، فبدلاً من أن تسعد لفرح ابنها، تصبح أسيرة التشاؤم حينما يتناهى إلى علمها أن الخطيبة كانت قبل فترة مخطوبة إلى (ليوناردو) وهو واحد من أفراد عائلة (فليكس) العدوة.
صحيح أن (ليوناردو) متزوج الآن، لكن هذا لا يمنع الأم من أن تسأل عما إذا لم يكن ثمة أثر للغرام بينه وبين كنتها. وفيما تكون الأم غارقة في شكوكها يحدث أن تقوم مع ابنها بزيارة للخطيبة فتفاجأ بأن الفتاة ليست متحمسة للزواج فيزداد تشاؤم الأم، ويأتي مشهد الخطيبة ووصيفتها لتعلن أن (ليوناردو) زارها سراً.
وهنا نصل إلى صباح يوم العرس، فإذ بـ (ليوناردو) الذي لم يبرح حبه للخطيبة فؤاده يصل ويصارح هذه الأخيرة بأنه لا يزال هائماً بها، غير أن الفتاة ترفض الإذعان (لليوناردو) والذهاب معه، باسم الشرف، مقررة استئناف مسارها في الزواج من خطيبها، ومع هذا،
حينما تحل لحظة العرس يغلبها هواها، وقدرها بالتالي فتهرب مع (ليوناردو)... وتبدأ الأم بتحريض ابنها الذي يشرع في مطاردة الهاربين في الغابة يجدهما ويبدأ الذكران العراك، ويقتل الاثنان بعد مبارزة دامية بينهما.
المسرحية قدمت عربيا مرات عديدة، وبقراءات وإعدادات فكرية وبصرية مختلفة، وقبل عامين عرضت في القاهرة في صيغة احتفال فني راقص.. أما العرض الذي تابعناه على خشبة الجامعة الأميركية في دبي فهو صيغة فنية وفكرية مبتكرة، ربما حملت جديدا في المعالجة الفنية للنص، ويمكننا رصد هذا الجديد عبر ثلاث محاور..
المحور الأول يتمثل في الاستخدام التقني لقطع الديكور بأحجامها الكبيرة والمنتشرة على مساحات كبيرة من الخشبة، بما أتاح للمخرج الإفادة من فراغ الخشبة، ومن كل الدلالات التي يمنحها اختلاف مستويات الكتل الخشبية،
ولم يكن الأمر في كثير من الأحيان يحتاج إلا إلى حركة بسيطة لكتلة ما حتى يشعر المشاهد أنه قد دخل في عالم وزمان مختلفين وعلى سبيل المثال كان يكفي للأم ان تجلس فوق الدرجة العليا للكتلة الخشبية وولدها في الأسفل كي يعني هذا ان هناك اختلافا في الرؤية وفي النظرة باتجاه المستقبل..
وبالمقابل نجد أن قطعتي ديكور كبيرتي الحجم على جانبي المسرح تم تحريكهما ببعض الأشجار الجرداء الموجودة فوقهما حتى تلتصقان وليكون المشهد الأخير في غابة سوداء تنهي حياة كلا العاشقين الشابين..
المحور الثاني هو إتاحة الفرصة لخلفية المسرح أن تعبر عن روح الشخصيات لا سيما وأنها تصبغ تباعا بألوان متعددة باستخدام الإضاءة وتقنية خيال الظل، وإذا كان اللون الأحمر بدرجاته هو السائد كخلفيه دلالة على الدم، فإن اللون الأزرق أو السماوي كان تعبيرا عن رغبة ما إلى السلام..
وحينما يقتل الابن يبدأ اثنان بتحريك شريط أحمر طويل يبدأ من منتصف الخشبة وينتهي بالخلفية وقد مر من جانب الأم التي ثارت روحها على مقتل ابنها الذي سار إلى حتفه ملاقيا مصير أخويه ووالده على الرغم من أن الأم نصحته بأن يلتزم بنصيحتها، واستخدام الدلالة كان الأبرز في العمل ولا شك أنه استخدام موظف لخص الكثير من مجريات الأحداث وقلل من الكلام ورسم أبعادا إنسانية لمقولة لوركا في العمل.
المحور الثالث الارتقاء بمستوى الصوت إلى مستوى الصورة، إذ نادرا ما توقفت الموسيقا عن مسايرة الحدث الدرامي وخلق أجواء ملحمية تحسب للعمل عموما، وربما كانت هذه صيغة من صيغ التجريب المسرحي المنتشرة الآن في العالم ويمكن متابعتها في العديد من المهرجانات الدولية بأن تكون الموسيقا والصورة والحركة العماد الذي تتحرك وفقه العروض المسرحية الإشكالية..
«عرس الدم» عمل مسرحي متعب في تنقلاته المكانية والزمانية وهو يحتاج إلى جهد تمثيلي متميز اجتازه بنجاح طلاب الجامعة الأميركية في دبي، ولا يتوقف الأمر عند جماليات توفرت للعرض بل لا بد أن نذكر أن هناك جهدا تمثيليا وإخراجياً لافتا،
وقد قدم شخصيات العمل كل من: «عليا صالح، سمر نعيم، فيفيك آشير، نادر إدريس، فجر براقي، مصطفى تين، شيرين مرعي، زينب حسن، عمران خان» والإخراج لـ «سام بردويل» وساعده خالد مجذوب.
جمال آدم