لم يعد الفن في العصر الراهن قادرا على استحواذ المميزات التي كان يتمتع بها على امتداد قرون عديدة، وكان على الفنان، أن يتنازل عن جملة مكتسباته التي حققها، لصالح الوسائط البصرية الحديثة والامتيازات العلمية المتطورة وخاصة فيما يتعلق بثورة الاتصالات التي أسست لمفاهيمها الخاصة.

وأنتجت سياقات فنية غاية في الدقة والخصوصية، ومن هنا كان على الفن ان يخلق لنفسه نقاط توازن مع العلم، وأن يؤسس لشراكة عميقة ومؤثرة مع جملة مفرزات العلم وخاصة الرياضيات والفلسفة، والفيزياء، وعلم النفس، والوسائط البصرية الحديثة.

من هنا فإن تجارب الفنانين الإماراتيين الستة عشر الذي يعرضون أعمالهم في صالة توتال أرت دبي في معرض افتتحه الأديب محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي ويحمل عنوان نافذة.

يأتي في سياق تقديم تجارب متسقة مع ما أشرنا إليه سابقا، وفي محاولة منهم لتقديم نموذجا فنيا آخر وحديثا في سياق التجربة التشكيلية العامة في الإمارات، غير أن أهمية هذا المعرض لا تأتي فقط من محتواه، بل باعتباره خطوة أولى للخروج بهذه النوعية من الأعمال التي تتسم بالنخبوية إلى الحيز التجاري الشعبي.

وجعل دور العرض والغاليرهات في الدولة تتنازل قليلا عن كونها مساحة للبيع والشراء إلى كونها مراكز ثقافية صغيرة، وشريكة في الحراك الإبداعي، وأن يتم تعميم الدور الكبير والمؤثر الذي يلعبه القطاع الخاص عالميا في تنشيط الحركة الثقافية بعيدا عن ثقافة المؤسسات الرسمية التي غالبا ما تكون محايدة ومهادنة وتتسم بالجمود.

يمكن القول عن معرض نافذة انه مساحة فنية لعدد من الفنانين الإماراتيين الشباب الذين ينتمون إلى هذه اللحظة الزمنية بكل تداعياتها الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية، ويسعون لتقديم تجاربهم البصرية التي تجاوز السائد، إلى أفاق مرتبطة بمعالجات جديدة لموضوع الجمال.

والمدركات التقليدية، في مناخ عام يعتمد على طرح افتراضات، واقتراحات، بانحياز كبير ومبالغ فيه عن ما يمكن ان يسمى اليقينية في العمل الفني، فالإبداع ضد اليقين، وضد الوجود، الانتماء، تجارب تعكس في الكثير من ملامحها العلاقة العضوية بين المحلي والعالمي، الخاص والعام،انعدام الحدود بين الشخصي والجماعي، هي في نهاية المطاف محاولة لمواصلة تحطيم النفعية في الفن، لصالح جملة من المعادلات، المتداخلة مع الفن النظامي، التركيبي والمفاهيمي، والفيديو.

ان هذا المعرض الأول من نوعه لهذه الشريحة من الفنانين، يخرج من الحالة المتحفية التي فرضت عليه على مدى السنوات المنصرمة، نحو محاولة التواصل مع شريحة مجتمعية اكبر واشمل، ومحاولة تغير البنية الهشة التي تقوم عليها صالات العرض الكثيرة في الإمارات والتي اعتادت على تقديم نوعية ساذجة من الأعمال الفنية، وتجاهل شريحة واسعة ومؤثرة من أبناء هذا البلد.

الذين جابت أعمالهم الكثير من التجمعات الفنية العالمية، ومن جهة ثانية يمثل المعرض حصيلة عمل طويل للمرسم الحر في دبي الذي قدم منذ ما يزيد عن العشرين سنة العديد من الأسماء والتجارب الفنية.

لا نستطيع أمام هذا العدد الكبير من الأعمال والتجارب ان نتحدث عن فنان دون آخر، ولذلك لا بد من البقاء عند المناخات العامة، والتركيز على الإشارات التي ترسلها الأعمال للملتقى، وخاصة فيما يتعلق بوظيفة الفن ودوره في الحياة المعاصرة، فلم يعد الفن كما كان شارحا ومبسطا لبعض الملامح الأسطورية، بل صار عليه ان يصنع أسطورته الخاصة.

وان يتحول العمل الفني من مجرد لعبة جمالية، مرتبطة بالكثير من المعايير الأخلاقية، والجمالية المباشرة، إلى مكمن للجدل العقلي، وليس الحسي، والى منطقة إشكالية لحوار مفتوح ومتقد قائم على التنوع، ورفض السائد، والجاهز، والغرائزية، ومفهوم إشباع الشهوات.

مكمن الاحتفاء بمعرض نافذة، أنه يؤسس لحالة جديدة في سياق العلاقة بين المنتج والمتلقي والموصّل في العملية الفنية، لكن يظل الخوف قائما عن إمكانية الوصول إلى تنازلات معينة قد تفرضها آلية السوق، ومفاهيم العرض والطلب، البيع والشراء، التي سلّعت كل شيء، وانتهت بنا إلى ما نحن عليه ثقافيا وإبداعياً.

حازم سليمان