حينما نذكر بإعجاب أعلام الفن والأدب الذين شكلت قاماتهم قمماً شامخة، لا يعني أننا ننكر على الأجيال الشابة إبداعهم ونتاجاتهم وحقهم في تشكيل تجربتهم، إلا أننا حينما نتناول واحدة.

من تلك القمم ونتأمل مسيرتها ندهش ونصل إلى قناعات عديدة، بل ونكتشف أننا أمام حالات خاصة لا يمكن أن تتكرر لأن كل مبدع منهم شكل حالة خاصة لا نجدها عند الآخر، والأمثلة كثيرة وموزعة على كل أجناس الإبداع فناً وأدباً.

منذ عشرات السنين أسمع فيروز كل يوم تقريباً، ولم أمل سماعها ،وحاولت أن اقتحم هذه المسيرة الجبارة من خلال سماعي لأغانيها طيلة تلك السنوات التي شكلت وعيي الفني، واكتشف أنها مملكة واسعة مزروعة في أعماق الأعماق، تمتد عبر عقود، وتعبر كل الجبال والسهول ،وتقطع آلاف الأميال البحرية، وتشمل الفضاء والنجوم والأرض، هي مملكة متناهية الأطراف.

فيروز لم تترك باباً لم تفتحه للحياة، ولم تقف أمام شباك مغلق أمام الحب حتى فتحته على مصراعيه أمام الإنسان، لم تكن وحدها حينما أقول مملكة، فإني أعني فيروز والرحبانية.

لقد تجمع فيها كل الفن والموسيقى والكلمات والإحساس والإنسانية والوطنية والقومية والإيمان وكل المسميات التي تندرج تحتها السمو والرفعة، هي القمر الذي لا يستأذن منا حينما يخترق شبابيك بيوتنا وليالينا ليضيء للعشاق ليلهم.. أو كالشمس التي لا تغيب عن بساتيننا التي تطرز بالليلك، والفل، والياسمين.

عجبي على فيروز.. ظلت متميزة منذ إشراقتها الأولى، ولن تخبو حتى بعد مئات الأعوام، تمتلك مفاتيح لم تتوفر لغيرها، غنت لأجيال مضت ولليوم وللغد الممتد مع الحياة، والإشكالية التي يعاني منها من يكتب عن فيروز، أنه يعجز عن وصف صوتها، هو دفء لا يمكننا أن نحسه إلا مع صوتها الذي يسحرنا دون أن نعرف كيف، ولماذا؟.. ومن أين بدأت هذه الإنسانة المبدعة..

ويمكن أن نلملم كل هذه الإنجازات التي امتدت عقودا من الزمن تخاطبنا ببساطة متناهية حتى يخيل لكل إنسان أنها قادرة على طرح تلك البساطة لكنه يفشل إلا فيروز.. لأنها السهل الممتنع.

وحينما نستذكر فيروز نذهل من البساطة والإعجاز، حتى نصل إلى بعض كلمات الأطفال التي صارت أغنية حب لا تقال إلا حينما تسمو العاطفة وتصبح سحابة حب في سماء الكون.

شايف السماء شو بعيدي بعد السما بحبك ـ شايف البحر شو كبير كبر البحر بحبك

لم تترك فيروز موضوعاً سامياً لم تتغن به، غنت للأمومة والوطن والعروبة، وانتقلت من القاهرة إلى بغداد ودمشق وبيروت والمغرب ومكة.. غنت القصيدة، وجعلت للكلمات سحراً غير سحر الكلمة، ومعنى غير معناها..

هندست قلوبنا وحبنا وبيوتنا وأذواقنا، قدمت مسرحياتها التي لم يستطع أحد أن يصنفها إلا أن يقول مسرح فيروز، وأفلامها التي لا يمكن أن نتمتع بها إلا لأن فيروز شاشتها، غنت الشعبي والرومانسي والطرب ،غنت السائد والمبتكر والموشحات والمواويل والزجل وغنت بالمحكي والفصحى.

بغداد والشعراء والصور.. ذهب الزمان وضوعه العطر ـ يا ألف ليلة يا مكملة الأعراس يغسل وجهك القمر.

تبقى الكلمات عاجزة، ومساحات الورق ضيقة، لكن عزائي في وصف محمد عبد الوهاب لها بأنها من الملائكة، وقول نزار قباني «فيروز رسالة حب من كوكب آخر».