يبرز اسم الدكتور غسان سلامة كمفكر عربي نهل كثيرا في السياسة والأدب، ونال أكثر من شهادة دكتوراه، وألف كتبا كثيرة عن السياسة والعالم والتحولات السياسية والفكرية.
والدكتور سلامة مارس التدريس الجامعي أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف، والجامعة الاميركية في بيروت قبل أن يسافر إلى العاصمة الفرنسية باريس ويتولى بين سنة 1968 وسنة 2000 منصب مدير الدراسات في المركز الوطني للبحوث العلمية، ومنصب أستاذ العلوم السياسية في باريس.
وفي العام 2000 أسندت إليه حقيبة وزارة الثقافة اللبنانية فتولاها حتى استقالة الحكومة السابقة. حل الدكتور سلامة ضيفا على مهرجان أبوظبي الثالث للموسيقى الكلاسيكية والذي تقام فعالياته على مسرح المجمع الثقافي في أبوظبي ومن هنا كانت بداية الحوار.
ـ كيف تقيمون مهرجان أبوظبي للموسيقى الكلاسيكية في دورته الثالثة ؟
ـ الموسيقى الكلاسيكية ليست بعيدة عن اهتمامات المنطقة، من يزور الشرق الأقصى في آسيا يلمس تطور الموسيقى الكلاسيكية في ثقافة اليابان والصين وكوريا فالموسيقى الكلاسيكية أصبحت لغة عالمية.
وأنا فخور جدا بما حصل في الافتتاح لما قامت به أوركسترا الشرق من جهد حقيقي للتفاعل والتواصل بين الآلات الغربية والعربية، وبين الموسيقى العربية والشرقية والموسيقى الكلاسيكية ذات الأصل الأوروبي.
والمهرجان ناجح لما فيه من عملية تلاقح بين الثقافات ،وهذا ما ندعو إليه، بحيث أمكن لقائد اوركسترا عربي أن يجعل من الآلات الغربية تتواءم مع القانون أو العود العربي بطريقة أعتقد أنها لاقت رضا المستمعين.
ولهذا احيي القائمين على هذا المهرجان بالذات مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون التي تعمل على توطين هذه اللغة العالمية، أي لغة الموسيقى الكلاسيكية في دولة الإمارات من بداية الافتتاح الذي بدأ مع موسيقى الشرق من خلال موسيقى قادمة من لبنان، وآمل في السنوات المقبلة مشاركات أخرى من العراق وسوريا ومصر وغيرها فالتجربة اللبنانية ليست الوحيدة وآمل تدريجيا تأسيس فرق عربية أخرى .
ـ ما هو مستقبل الموسيقى العربية ؟ وما أسباب تردي وضعها الراهن وضعف الإقبال عليها جماهيريا ؟
ـ اللوم لا يقع فقط على الإعلام في ضعف الإقبال على الموسيقى مقارنة بالغناء، فالاتهام سهل وخاطئ، هناك لسوء الحظ نوع من الطلب من الجمهور للغناء السهل والثقافة سوق بها عرض وطلب.
لذلك فإن الإصرار الذي نراه في مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون ممثلة برئيسة المجموعة هدى كانو يهدف على تعريف الجمهور بمستوى أكثر رقيا مما يشاهده المشاهد على الفضائيات، إنه جهد نفخر به جمعيا.
ـ بعيدا عن مهرجان أبوظبي للموسيقى الكلاسيكية هل ما يحصل في لبنان حاليا ينتج عن الاختلاف الثقافي ؟
ـ أعتقد أن الذي يحدث في لبنان في جوهره سياسي له علاقة ببنية الدولة منذ العام 1920 وله علاقة بطبيعة البنية التي تختلف عن كل الدول العربية الأخرى ،والتي هي أقرب إلى التوافق بين الكيانات.
وإلى أي مدى تستطيع الدولة الحديثة الحفاظ على هذه الكيانات التقليدية والطائفية والعشائرية، فهناك نوع من امتداد للثقافة التي كانت قائمة ولبنان اختارت طريقا مختلفا مما جعله مصدر ثراء ثقافي ليس فيه من إلغاء وبالوقت ذاته مصدر لضعف الدولة، إذ الأمر يحمل من المحاسن كما يحمل من المساوئ.
ـ تذكر في أكثر من مناسبة ما معناه أن اميركا لا تمارس غزوا ثقافيا على الدول الأخرى بما فيها الدول العربية ما الذي تقصده ؟
ـ ما يجهله الكثيرون أن حركة العولمة التي بدأت منذ أكثر من ربع قرن مع ثورة الاتصالات ،كان لها نتائج ثقافية كبيرة.
وما يجري لا يعني غزوا ثقافيا على الإطلاق، ففي أميركا نجد نصف الرأي معادي لحركة العولمة الثقافية والصناعية، وكل دولة من الدول مقسومة من الداخل بين عناصر وفئات اجتماعية منخرطة في حركية هذه العولمة، وبين شرائح متضررة منها .
لذلك فإن موضوع الغزو الثقافي الأميركي شعار لا يعبر عن حقيقته، على سبيل المثال هناك الكثير من الدول التي عايشتها كمجتمعات شرق أوروبا نجد فيها نوعا من الانفتاح على بعض عناصر ثقافة الاستهلاك الأميركية من مأكولات ،وملابس وفروع جامعات أميركية لكن هذا لا يغير من المواقف السياسية للناس، فالانفتاح الثقافي لا يؤدي إلى الاصطفاء السياسي.
وهذا ما أوضحته في كتابي الأخير، فمن يتواصل لن يتولى مواقف معينة والدليل أن المفكر العربي ادوارد سعيد الذي عاش في أميركا وعلم في جامعة كولومبيا ومات وهو على انفصال مع السياسة الأميركية، فالانخراط الثقافي لا يؤدي إلى نوع من التوافق السياسي.
ـ لديك قدرة على استقراء المستقبل، لقد توقعت الكثير من الأحداث وبالفعل تحققت كيف اكتسبت هذه المقدرة، وكيف تقرأ المشهد الثقافي العربي؟
ـ الاهتمام بالمستقبل والدراسات المستقبلية هو ما ينقص مجتمعاتنا العربية، وأعتقد لو أدخلناها بالضرورة في مناهج التدريس في المدارس والجامعات لكان هذا أمرا جيدا، فهناك نوع من الانطوائية في مجتمعاتنا تعرقل العادة الذهنية الضرورية أمام أي مشكلة .
وبالنظر إلى أي موضوع استعرض أمامي المشكلة سواء أكانت سياسية أو اقتصادية وأفكر بالإمكانيات الواقعية إذا أقصينا ثوابت سابقة أو إمكانيات التطور الموضوعية، وكيف سينتهي، ووفرة المعلومات متاحة، لهذا يكون الموضوع رياضة ذهنية تقوم إزاء أي حدث وبعدم الإغراق بهدم البحث في مسبباته أو علاقته بالمبادئ والأسس والمواقف ،ولكن بالنظر إلى المستقبل، إنها رياضة ذهنية.
عشرون سنة وأنا أغرس هذه الروح في تلاميذي روح النظر إلى إمكانية التطور الواقعية لأي مشكلة أو حالة وفق المعطيات والمعلومات المتاحة
لم يعد هناك فعل يدوم لفترة طويلة.. الذي ينقص هو الرياضة الذهنية أو محاولة استشفاف أو توقع التطورات.
ـ كيف تقيم حال الثقافة العربية في وضعها الراهن؟ و كيف تصنف موقعها على مستوى دول العالم ؟
ـ لست خائفا على الثقافة العربية، أعتقد أن هناك قدرة كبيرة لاسيما في الأجيال الجديدة على التأقلم مع وسائل التعبير التي أنتجت ثورة الاتصالات، وهذا يشير إلى الحيوية في التأقلم مع وسائل التعبير الحديثة.
وبالمضمون لدينا كل أنواع المضامين في الثقافة العربية منها ما هو عميق ومنها ما هو سطحي ومبتذل، ومع الوقت وتنامي ذائقة الجمهور من شأنهما أن يفصلا تدريجيا بين الجيد والمسيء وان ينقي الثقافة، فلست خائفا وقلقا على قدرة الشعوب العربية على الفرز.
ـ ما رأيك بإنشاء هيئة أبوظبي للثقافة والتراث ودورها المرتقب عربيا ،وهل هناك تعاون ثقافي مع دولة الإمارات ؟
ـ هيئة أبوظبي للثقافة والتراث فكرة ممتازة ونقلة نوعية في مجال المؤسسات الثقافية، نهنئ دولة الإمارات عليها.
وآمل أن يكون التضامن مستمرا مع لبنان في المجال الثقافي، فوزير الثقافة اللبناني سيزور الإمارات قريبا لتفعيل التعاون الثقافي، وآمل المزيد من التطور لهذه العلاقات على المستوى الرسمي.
ولكن في الحقيقة إن مجمل الثقافة اللبنانية تصب في القطاع الخاص، لذلك فمن الضروري أيضا تفعيل التعاون بين الإمارات والقطاع اللبناني الخاص الذي هو أوسع وأشمل، وأرجو أن لا تقتصر العلاقات على الجولات فقط، بل أن تكون أكثر استمرارية وشمولية.
حوار: عبير يونس

