«ضجر طائر الليل»، المجموعة القصصية الجديدة للكاتب والقاص إبراهيم مبارك، أهداها إلى رفاق دربه ووطنه العزيز، وضمّت عشر قصص اختار واحدة منها لتكون عنواناً للمجموعة، بمقصدية دالة على توجّهاته الفكرية من جهة.

وكثيمة مركزية أو إطار مرجعي دلالي، ينطلق منه ويعود إليه خلال معاينته الزمنين اللذين عاشهما من تطوّر الحياة المدنية في الإمارات وخصوصاً دبيّ، المدينة التي ولد فيها ورافق تطوّرها السريع، أو بالأحرى انقلابها الجذري على زمن قديم تميّز بالبساطة والشفافية.

ومن هنا فإن النصوص جميعاً ستخوض غمار هذه الإشكالية عبر الرؤية الناقدة لكثير مما جلبته المدنية معها من بشر أغراب لهم عاداتهم وسلوكياتهم المختلفة التي زاحمت السكان الأصليين وقيمهم الاجتماعية، مما دفع الشخصيات إلى شكل من أشكال الاغتراب النفسي والجسدي عن المكان الذي ولدوا وترعرعوا فيه.

وبمقدار خصوصية هذه الإشكالية في المجتمع الإماراتيّ والدبويّ تحديداً، بمقدار ما هي أيضاً إشكالية عالمية تمّت معالجتها من قبل روائيين وقصاصين إبّان التطوّرات العاصفة للمجتمع الصناعي العالمي والتوسّعات الخطيرة التي شهدتها مدن أوروبيّة وعربية كبيرة، اندثرت من خلالها مهنّ وطبقات، وصعدت خلالها فئات جديدة تعايشت مع الزمن الجديد.

وتحكّمت في مفاصله الاقتصادية والإعلامية والثقافية المنسجمة مع زمان العولمة وتوجّهاتها المعقّدة، فبات من الصعب على الإنسان البسيط أن يختار ما بين هذا أو ذاك، فهو إما يدخل غمار التجربة الجديدة بكامل تفاصيلها، أو يلفظ كأيّ شيء قديم لا فائدة ترجى منه.

ومن هنا، فإن القصّ في المجموعة سيواظب على متابعة هذه الحالات الإنسانية الشقيّة، وتبصير القارئ بما كانت عليه، وبما آلت وستؤول إليه بمقصدية نقدية اجتماعية تذكرنا دائماً ب «الأدب الملتزم» من حيث المضامين الفكرية على الأقل.

وهكذا فإن القارئ سيتعرّف إلى كثير من الشخصيات التي عبرت من زمن إلى آخر، أو تلك التي مرّ بها الزمن وظلّت ساكنة دون أن تتغيّر، وقد مثّل الشخصيات العابرة، الصقّار سعيد في قصّة «ضجر طائر الليل».

وهو الفتى الذي تعلّم فنون القنص ومهاراته، وعاش على الدوام في فضاء رحب ومفتوح، سوف يزجّ به في أتون التطوّر المديني المكتظ بالعمالة الأجنبية، وفي حيّز مغلق وأكثر اكتظاظاً إذ هو عبارة عن حانة ضمّت غرباء الليل، وذلك بغية الكشف عن مفاسد المدنية المتجلية في هذا النوع من اللهو من جهة.

ولتبيان مدى خطئه في قبوله وامتثاله للقيم الجديدة، سيما وأنه كان دائماً يقول: «مرحباً بالحياة الجديدة، إنه زمن يستحقّ أن يقدّر وأن يعطى فرصة لفهم أسلوبه». والقصّة في هذا المستوى من الدلالة تذهب باستقامة نحو تعرية العلاقات المدنية الجديدة من خلال نسقين حسّاسين:

«الانفتاح والتفسّخ» واعتماد الحانة كرمز لهما، و«المحافظة والتجذّر» ورمزية الفضاء المفتوح والعلاقات الإنسانية البسيطة الجميلة، وكما نرى فإنهما نسقان متوازيان ولا يلتقيان.

ولكنهما بالضرورة يتعايشان في مكان محدود، وما بينهما «سعيد» الذي أصبح متناقضاً في طباعه ومختلفاً في أفكاره ومعتقداته، حائراً في أيّ السبيلين سيسلك، فكان لا بدّ له من أن يبصّر بما سيؤول إليه الحال، فيما إذا واظب على الامتثال لشرط الحياة الجديدة. وبالتالي فإن ترك الشخصية القصصية تواجه أحد هذين الخيارين سيكون بمثابة تدخل صارم من قبل الكاتب في توجيه القصّ .

حيث يشاء، إذ من الصعب على القارئ الاقتناع بأن المدنية الجديدة سوف تختصر بـ «حانة» تضمّ أنواعاً مختلفة من الألسن والجنسيات، لأنه يدرك أن هؤلاء الناس إنما يعملون في ورشة عملاقة وضعت دبي في المكانة التي تستحقّها بين مدن العالم، بل ربّما باتت مثالاً ناصعاً لتوجّهات العولمة وإمكانية تعايش وتفاعل الثقافات في مكان واحد، وهذا ربّما بدوره سيعطي مثالاً ناصعاً على قابلية العرب للتطوّر.

والتعايش مع الأمم الأخرى على العكس من الصورة الإعلامية الغربية والصهيونية المصدّرة للعالم على أننا أمة غير قابلة للتطوّر والانفتاح على العالم. وهذا الأمر بالتحديد سوف يعالجه الكاتب في قصّة «حلم عبّار» وقد كان محقّاً عندما قال على لسان السارد:

«هذه المدينة الجميلة الرائعة لم تعرف غير العطاء.. مدينة الحبّ والتجارة والمال، تعطي العاملين رزقهم، ويقبع الضعفاء في الخور مجدّفين دائماً إلى الضفاف الإسمنتية، وتمضي الحياة وكلّ يعمل حسب قدرته، والمدينة أم رحوم لكلّ هؤلاء وإن قست الظروف على البعض.

وعلى اعتبار أن القصّ في مغزاه الأساسي فكر إنسانيّ نبيل يركّز دائماً على الحالات الفردية، فإن إبراهيم مبارك سيواظب على متابعة شخوصه البسطاء المنبوذين والمهمّشين الذين عصف بهم التطوّر المديني.

ومنهم العبّارون والصيّادون والمزارعون والرعاة وغيرهم من الفئات الاجتماعية التي لعب القدر لعبته الصعبة معهم فأقحمهم مدناً صعبة وقاسية لا ترحم، تماماً كحال «سرور» في قصّة الخيزران.

وهو العامل العُماني البسيط والطامح في الوقت نفسه لتحقيق ذاته عبر فرصة عمل مناسبة، فنتابع رحلة شقائه المتعبة، فيترك أعمال البحر قاصداً إحدى القرى ليعمل في جزّ السعف، وحرث الأرض، ولكن الريف بمزارعه وأعماله المختلفة لن يلبي له طموحه المتقد.

وسرعان ما يغادر إلى مدينة كبيرة، ولكن هذه المدينة لن تقدّم له سوى فرصة العبودية، أي أن يشتغل خادماً في أحد القصور، ولينتهي به المطاف وهو يقبّل قدمي سيد الخيزران.

وعلى صعيد الزمن العابر بالشخصيات ودون أن يترك أثراً فيها، سيقدّم لنا القاص شخصية طريفة بكلّ مواصفاتها في قصّة «رجل لا ظلّ له»، فمحمد على العكس من السكان لم يعمل في البحر.

وإنما أسس لاقتصاد منزلي قام على مجموعة من الأغنام والماعز والبقر والدجاج مكتفياً ذاتياً بما تدرّه عليه من رزق، متجاهلاً في الوقت نفسه جملة التطوّرات التي أصابت المدينة.

وربّما لأنه كان يدرك مسبقاً المصير الذي سيؤول إليه أمثاله فيما لو أنه انخرط في حياتها الصاخبة، والمثال على ذلك المآل الذي انتهى إليه الصقار سعيد و«الشاهين» الذي كان معه.

من جانب ثان، سيبقى إبراهيم مبارك وفياً لبيئته ولثنائية البحر والصحراء، فعمل في سائر قصصه على تفعيل عناصر هذه البيئة في لحظة زمكانية شديدة الخصوصية، وسيعبر عنها السارد من خلال الذاكرة.

أو من خلال متابعاته الشخصية لتأسيس ذاكرة المكان، وهو ما كنا لحظناه في كتابه المهم «سواحل البحر» الذي رصد من خلاله جملة من المصطلحات والعناصر البحرية بدافع إطلاع الشباب على تراثهم الماضي فربما هم لا يعرفون أو يتذكّرون ما تركه الآباء والأجداد، وبخاصّة ما يتعلّق بالبحر، سواء كان ذلك أمكنة لها أهمية في الماضي أو الحاضر.

ومن ذلك سيطّلع القارئ على جوانب مختلفة من الحياة على خور دبي، أو بعض الأحياء الشعبية وخصوصاً (الجميرا) و (أم سقيم) التي أصابها التطوّر وازدحم الناس فيها، وانعدمت الحياة الرومانسية الجميلة التي عاشها الكاتب وأقرانه فيها.

أما في قصّة «الكفّ» فإن القارئ سيتابع رحلة صحراوية تتالت مفرداتها البيئية من خلال السارد العليم ليتعرّف على الكثير منها من مثل: أعشاب الثمام و(الهور) وسلوكات البدوي وتدخينه بالمدواخ، وليميز ما بين (السيح) والصحراء من خلال وصف مدروس.

كما في قوله: «تختلف هذه الأرض في تدرّجها بين الرمل المنبسط والأرض الصحراوية، وتبدو في بعض الأماكن وكأنها لوحات فنية صنعتها الرياح والعواصف والمطر... حيث تتشكّل تلك المنحوتات وكأنها حصان ينطلق في البيداء».

أما الجانب الوطني فقد عبرت عنه قصص أخرى، أسفرت توجّهاتها العامة عن وعي القاص بالمسألة الوطنية التي لا تنفصل بأية حال عن جملة القضايا الاجتماعية والسياسية التي تعرض لها.

وإن أخذت في بعض الأحيان شكل المباشرة الخطابية والشعرية الناهضة على رمزية ذات دلالة على لسان السارد أو من خلال الحوار بين الشخصيات، ومثالها قصّة (نشيد الجدار)، حيث يقول أحد الشخصيات: «نحن جذور النخيل والجبل، نحن نشيد الساحل والرمل وثورة البحر.. من يهزم هذا الانتماء؟

وزمان القصّ سيذهب إلى الماضي إبان الوجود الاستعماري الإنجليزي والمعاناة التي لقيها المجتمع من جرّاء هذا الوجود، وبذلك فإننا سنلتمس في الشخصيات القصصية نموذجاً للشباب الباحث عن حريته، والذي ما انفكّ يتحدى هذا الوجود بالدعوة إلى الاستقلال والحرية وحماية الساحل من الطامعين فيه كما في قصّة «بندقية خارجة على الزمن» .

حيث يقول السارد: «وعند خيوط الفجر الأولى كانت أعداد هائلة من الرجال الحمر قد حفرت مواقعها على طول الساحل، أخذ بعضهم يقتحم الأبواب الكبيرة بواسطة صواري السفن الراسية على السيف.

قالوا إنهم يبحثون عن رجل له جدائل طويلة سوداء ويشبه الذئب، وآخر أسمر يشبه سمكة القرش حليق الرأس مفتول العضلات.» ولا تخفى هنا دلالة الشخصيتين الصحراوية والبحرية والمغزى المراد إيصاله عن الموقف الاجتماعي الذي ساندهما.

عزت عمر