لم تتوقف الفنانة الإيرانية شهلا موجيد منذ سنوات غير قصيرة، عن لفت الانتباه لتجربتها الفنية التي تنبني على العديد من المقومات الجمالية والثقافية، التي تستمدها من مصادر معرفية وحياتية متعددة، أهمها علاقتها بمسقط رأسها طهران، حيث تعلمت في العديد من المراكز الفنية.
وارتبط اسمها بمجموعة من الجماعات الفنية، أبرزها جماعة 33 التي سعت عبر الكثير من المعارض والورش والندوات أن تؤسس لمناخ فني حداثوي قائم على تخليص اللوحة من الوصفات التعبيرية الجاهزة، لصالح اكبر قدر ممكن من البحث والتجريب في اللون والموضوع، وفي الوصول إلى مقترحات بصرية جديدة.
ومن هنا فإن مجموعة أعمال هذه التشكيلية التي استضافها مجلس غليري دبي، تمثل جملة من الدراسات البصرية، والقراءات المعمقة لبنية الموضوع الذي تعالجه، وهي في غالبية الأعمال تنحاز إلى هدم الشكل، تفتيته، وإعادة بنائه وفق رؤيتها الخاصة.
وبما تمليه عليها محاولاتها المستمرة لتأسيس مشهدية متماسكة العناصر، رغم تلك التكوينات غير المنسجمة وخاصة على مستوى اللون، وكأنها تحاول بذلك جمع جملة من المتناقضات، والتفاصيل المتنافرة، في سياق بصري واحد ومتماسك.
تقول التشكيلية شهلا موجيد إن انتقالها فيما بعد من بيئة محافظة قائمة على الكثير من الأسس والنظم الاجتماعية الصارمة والقاسية، إلى الولايات المتحدة الأميركية، بكل ما يتسم به هذا المجتمع من انفتاح، كان له كبير الأثر في أحداث مجموعة من التبدلات الجذرية في آلية تعاطيها مع العمل الفني.
وفهمه، خاصة مع الاحتكاك المباشر بالكثير من التجارب، والجاليرهات، لكنها وكما تقول حافظت على علاقتها باللوحة المحمولة، رغم تأثرها وإعجابها الكبير بالاتجاهات البصرية الحديثة جدا، والتي تتقاطع مع احدث النتائج العلمية والتقنية، خاصة في بلد كالولايات المتحدة الأميركية.
لا يستطيع المتابع لأعمال شهلا موجيد إلا أن يتوقف مطولاً أمام ذلك العمق اللوني والبصري الذي تتسم به لوحتها، شيء ما يشبه الحفر في مساحة صلبة، خاصة وأن لوحات هذه الفنانة تشبه إلى حد كبير، حالة بنائية متكاملة، تبدأ من الموضوع الذي تستند إليه معنوياً دون أن ترسمه بحد ذاته، انتقالاً إلى التأسيس، وصولاً إلى تلك الكتل الناهضة من بعضها البعض.
بحيث تصير اللوحة سلسلة متماسكة، من الرموز، المغللة بالألوان، لكنها بنفس الوقت غلالة تقودنا إلى فتنة ما تخفيه خلفها من إحلات إنسانية، حيث ان غالبية الأعمال تميل إلى تقديم قراءات بصرية، لحالات إنسانية، متنوعة، بحيث تصير هذه الأعمال جملة من الانعكاسات.
وحتى التحليلات، لجملة من العلاقات الثنائية المتضادة، والمتآلفة، والتي تنسج معطياتها في وحدة حال، وفي إسقاطات، تتجاوز المنشأ النفسي الخاص، إلى الجذور الاجتماعية، والى المرجعيات، التاريخية، والمكانية، والثقافية، لهذه الأزمات، وكأنها تحاول بذلك الوصول إلى تصالح.
وفهم للقفزة التي عايشتها هذه الفنانة بين عالمين ومتاقضين، إيران والولايات المتحدة الأميركية، ليس على المستوى الشخصي، على مستوى تقديم الموضوع باعتباره ظاهرة، أو حالة إنسانية، ذات أوجه متعددة.
هذا الاشتغال الذي تقوم به شهلا موجيد في أعمالها مكنها أكثر من مرة في الحصول على عدد من الجوائز الفنية العالمية، وكان التركيز في الكثير مما كُتب عنها، على تلك التيمة الخاصة، التي تتسم فيها أعمالها، روح الشرق وحداثة الغرب.
ومحاولة إيجاد الكثير من الجسور والخطوط الرابطة بينهما فنياً، مع بروز قدراتها الأكاديمية، في أسلوب المعالجات الذي لا تنقصه المعرفة والدراية والخبرة.
لكن بنفس الوقت لا نجد هذه الفنانة خاضعة لأية ملامح قسرية في عملها، فهي تحرر نفسها من القاعدة، تحاول تجاوزها دون قطع الصلة معها بصورة نهايئة، وهي وإن كانت على درجة حرفية عالية في لعبة التجريد، إلا أنها تبقي على تلك الدرامية.
والتصاعدية، وخاصة في علاقة كتلها الصغيرة، التي تكون في غالبية الوقت على شكل مربعات، يأخذ بعضها السمة الهندسية الصرفة، وبعضها يندرج ويمتزج في المتن، وفي التكوينات الداخلية للعمل.
يبدو أن احد مكامن الرهان في أعمال هذه الفنانة، يرتبط بقدرتها على الالتقاط، وفي الزوايا التي تنظر منها شهلا إلى مواضيعها، إضافة إلى الجرأة في التعامل مع اللون، الذي يصل في بعض اللحظات إلى ما يشبه المغامرة، لكن على ما يبدو أن لعبة الجمع بين الأضداد، ومؤالفة المتناقضات، مفضلة عن الفنانة، تضيف إليها الاستفادة الكاملة من جميع الممكنات الفنية، من توظيف الألوان المائية والزيتية.
وغيرها من الوسائط المختلطة، لنكون في المحصلة أمام فنانة تتقدم بخطوات مدروسة ومنظمة، لكنها بنفس الوقت، لا ينقصها تلك اللمحة العابثة، المغامرة التي تضفي على أعمالها جملة من مكامن الدهشة، والإدهاش.
حازم سليمان