يحمل الطالب كتب التلقين على ظهره المنحني ويمشي ليصعد في طريق الطاعة مسكيناَ وثقيلاً.. تسبقه السلحفاة وتلسعه برودة المعنى وتدمي ظهره عصا المدرسين.. الكلام الحر يتكاثر في الدفاتر .

ويصير نشيداً يومياً في طوابير الصباح..لكن الطالب، مع كثرة التكرار الضار، يصير سجين الفكرة المغلقة في الكتاب المفتوح.. يصير فماً وبوقاً لصدى المعاني العالية التي يرددها ويقرأها كل يوم في كتاب (الكرامة) الأحمر.. وهي المعاني التي تحتاج أن تتغذى بالدم لكي تكون حقيقية وتخرج من الدفاتر الى الهواء.

***

يحمل المدرس عصاه كأنها راية للاستقامة والكبرياء ويدخل مثل جنرال مهزوم الى غرفة الطلبة ويصرخ: قيام.. ثم يشرح بطبشور ضخم معنى القيام بأنه: الانحناء الى كل من يحمل عصا..كل من يلوح بالعقاب اذا لم نلب الواجب القسري.

وإذا لم نصدق الكذب الذي في التاريخ واذا لم نتغن بالمجد الوهمي.. والطلاب ينقلون حرفيا ما يكتبه المدرس على السبورة السوداء في درس الخوف اليومي.

***

طارت فراشة الحب من دفتر الطفولة واستقرت بجناحها الأبيض على قلم مكسور في يد العاشق.. هكذا كتب الطالب أول قصيدة حب وخبأها خائفاً مرعوباً من خطأ ربما في الإملاء..

أو من اختلال في الوزن أو من اعتلال في المعنى..وبعد سنوات حين لم يجد الحب في الحياة ولا في القصيدة، اكتشف الطالب انه أخرس.. وأن فراشة الحب البيضاء صارت سجينة في الفم الحائر.

***

بقلم أحمر فاقع كان المدرس يقرر من منا على صواب ومن على خطأ.. وبدوائر حمراء كبيرة كانت تكتب كلمة (الرسوب)..

واليوم، بعد ان قفزنا على أسوار المدرسة، صرنا نرى الخطوط الحمراء في كل مكان.. إنها أولاً في العقل حين نفكر أن نكون أحراراً من الماضي.. إنها ثانياً في القلب عندما تعبر أمامه سيدة الحلم.

ولا يخفق خفقته الأخيرة.. إنها ثالثاً في الكلام الذي صار يابساً وتحول الى صمت دائم.. الخطوط الحمراء، في المدرسة أو في الحياة، هي القضبان الحقيقية لسجننا الكبير.

***

بعد أن يتعب الطالب من القيام المستمر، يمنحه المدرس في النهاية رقماً للجلوس..

***

في اللحظة الأخيرة.. بعد الامتحان الأخير.. يرمي الطالب الناجح دفاتره في الهواء ويقفز في سماء الحرية سعيداً ومنتصراً .. لكنه في اليوم التالي يمشي مستقيماً ويدخل في سجن الوظيفة والحياة.. ينحني للمدير.. ثم يتكرر مشهد القيام والجلوس كأن سنوات الدراسة كلها كانت تدريباً طويلاً لهذا النوع من الخضوع الحضاري..

akhozam@yahoo.com