تشهد دبي قفزات متتالية نحو بناء المدينة العصرية؛ فعرفت كمدينة اقتصادية من الطراز الأول، حيث أدركت منذ وقت مبكر بأن الاقتصاد هو عصب الحياة، وأنه مصدر القوة المعاصرة والقادمة.
وقد تحقق لها ذلك فانطلق ذكرها، وصعد عالميا. ذلك لم يحل دون الاهتمام بالجانب الإعلامي الذي عليه الدور الأكبر في تعزيز وترسيخ هذا الحضور، وقد اشتغلت عليه دبي في مسار متواز. فلا ضير أن يتصور المرء بأن الإنتاج الصحافي المقروء سوف لن يخرج عن هذا النمط ـ الاقتصادي ـ وتعزيزه.
ومع ما تشهده الإمارات عموما، ودبي على وجه الخصوص، من نشاط ملحوظ ومتزايد في مجال الصحافة المقروءة، والمتمثل في تنوع وتعدد إصدار المجلات المختلفة، وباللغتين العربية والانجليزية، والتي يغلب على أكثرها الطابع الترفيهي، أو الفني الذي يهتم بالمنوعات والموضوعات الخفيفة.
وفي غمرة إنتاج مجلات المنوعات والإعلانات لم تغفل دبي الجانب الثقافي ـ موضوعنا ـ فأصدرت المطبوعات المتخصصة من مجلات تعنى بهذا المجال، وبكل فروعه، وقد أولته الاهتمام المتوازي مع الاهتمام الاقتصادي والترويج السياحي.
لن نتوقف أمام المهرجانات الثقافية، ومنها مهرجان السينما، والتي يحلو للبعض أن يضعها ضمن موضوعات المنوعات أكثر من الانضواء تحت مظلة الثقافة، كما هناك مهرجان المسرح الدولي المرتقب،.
والذي سوف ينضم لفعاليات الحراك الثقافي في دبي. أما هنا فهي محاولة لرصد المطبوعات الثقافية الصادرة في دبي، حيث طالعتنا ثلاث مطبوعات حديثة ؛ نعود إليها؛ بعد الحديث عن شيء من البدايات.
ويعود فضل السبق في مضمار الصحافة المقروءة إلى دبي إذ صدرت بها أول دورية على شكل نشرة (تابلويد) في صفحتين؛ يسجل عليها التقرير الشهري عن بلدية دبي وأخبار المناقصات، ثم توسعت بعد ذلك قليلا، وأصبحت تهتم إضافة إلى أخبار البلدية بأهم أخبار الإمارة والحاكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله،.
والمراسيم التي يصدرها، وقد عرفت هذه النشرة بـ (أخبار دبي) وظلت تصدر كمجلة أسبوعية منذ 15 يناير 1965 وكانت تطبع في دبي وتوزع 8500 نسخة داخل الإمارات وخارجها، وكانت تهتم بالأخبار والأحداث العربية والعالمية المهمة في ذلك الوقت.
كما يسجل لها أنها أول من أدخل الألوان إلى مجال الصحافة في الإمارات. تصفحنا عددا مما تيسر الحصول عليه لمطالعة الجرعة الثقافية التي تضمنتها هذه المجلة في تلك الفترة وطالعنا أربعة أعداد جميعها صادرة في العام 1972 .
وهي العدد الرابع، والسابع، والتاسع عشر والسابع والعشرون من السنة نفسها حيث تخلو أغلفتها من أي عناوين سوى اسم المطبوعة الذي يستقر في الأعلى، وصورة للموضوع الرئيسي الذي يتضمنه العدد.
فقد جاءت صورة الحرم المكي تتوسطه الكعبة المشرفة ؛ مع عنوان مؤتمر الخير والسلام في أحد الأعداد، وصورة لحفار بترول وسط البحر بجانبها كتب «دبي اليوم» على غلاف عدد آخر.
وصورة مجموعة من أفراد الشرطة في طابور عرض يمر أمام الحاكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله،على غلاف ثالث والعنوان «دفعة جديدة من خريجي شرطة دبي وأم القيوين» وحمل غلاف العدد السابع والعشرون صورة بدت كالمخيم الضخم وتحتها عنوان «1972 عام الألعاب الاولمبية التكنولوجية».
هو استعراض مختصر للشكل الخارجي للمجلة حيث البساطة والاختصار هما سمة تصميم الغلاف. ونبحث عن الجرعة الثقافية في هذه الأعداد فنجد في أحدها؛ قصيدة بعنوان «أسئلة إلى الله» شعر نزار قباني ـ هكذا كُتب ـ ونقتطع منها....
( يا الهي/كيف نستسلم للحب ونعطيه مناديل الأمان/ واليه نحمل الشمع وعطر الزعفران/ كيف ننهار على أقدامه مستغفرينا/ كيف نسعى لحماة قابلينا/ كل ما يفعل فينا/ كل ما يفعل فينا/ يا الهي/ إن تكن ربا حقيقيا/ فدعنا عاشقينا)
ثم مجتزأ من سيرة الصديق أبي بكر رضي الله عنه في أحد الأعداد،.
و«الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب» في آخر وهي من إعداد علي عبيد علي، وله مقالة بعنوان «لحظة من فضلك» تتضمن شحنة من التهكم ينتقد فيها مجالات الإسراف المادي السلبية، ، ثم «أبو العلاء المعري الفيلسوف الشاعر.. رهين المحبسين» بقلم (ع.ع.ع).
ويكتب د.احمد أمين المدني «كل عام وأنتم بخير في عرفات». وله قصيدة بعنوان «جزيرة الأحلام» وفي عدد آخر قصيدة بعنوان «نهاية قصة» وقصيدة أخرى بعنوان «عينان» في عدد آخر.
تضمن أحد الأعداد الحلقة الأخيرة من قصة «السمراء» التي نشرت على حلقات لكاتبتها «فتاة عمان ـ من ديرة دبي»، و قصة بعنوان «ستموت بعد أربع سنوات» اكتفى كاتبها بالإشارة إلى نفسه عبر الأحرف الأولى من اسمه ( س.ا.د ـ دبي) ، ثم قصة تحت زاوية «خواطر مبعثرة» بقلم (خ. س. جميرا ـ دبي) في صفحتين؛ ينتقد فيها الواقع الاجتماعي وغلاء المهور.
في ذلك الوقت ونقلا عن جريدة أخبار اليوم القاهرية وجدنا «رصاصة قتلت رجلين وأحيت امرأتين» تحت زاوية أعجب الرحلات في التاريخ بقلم أنيس منصور.
في أحد الأعداد جاءت مقالة مطولة بعنوان «النظام والفوضى لصديق المجلة (خالد .خ.ن) الذي يدرس في أوروبا، أما قصة العدد فقد حملت عنوان «حبيبة القلب»، وكانت بقلم «لبنانية تقيم في دبي».
لعلها محاولة لمقارنة ما كان، بما صار في مجال الصحافة الثقافية؛ حيث بدأ الاهتمام برفد الساحة بالمطبوعات المتخصصة، وأصبح أكثر حضورا كما أسلفنا، ولو ان الأمر قد تأخر بعض الشيء؛ فبعد مجلة (أخبار دبي) التي عرضنا لها بما تيسر.
والتي توقفت عن الصدور بأثر مرسوم حكومي في مارس من العام 1980م ؛ نجد أن أول مجلة ثقافية صدرت في دبي بعد ذلك التوقف، منذ خمس سنوات فقط. سوف لن نتبع تسلسل أسبقية صدور هذه المطبوعات، وإنما حسب محتوى المجلة، ومواعيد إصدارها. كما لن نتوقف كثيرا أمام الشكل الخارجي للغلاف الزاخر بالصور والألوان.
والذي أخذت تكتظ به العناوين؛ في تنافس يشي باجتهاد القائمين عليها بالابتعاد عن التكرار؛ وهي سمة تحمد لمحاولات هذه المطبوعات؛ الأمر الذي يغري بالمطالعة في كثير من الأحيان.
والبداية مع «دبي الثقافية» التي تصدر عن دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، وقد بدأت كملحق ثقافي ضمن مجلة الصدى الأسبوعية، ثم تحولت إلى مجلة مستقلة تصدر كل شهر، للعام الثاني على التوالي، ويتوزع مراسلوها على 13 عاصمة عربية وغربية، وتوزع في 16 قطرا غير بلد الإصدار.
ترصد المشهد الثقافي محليا وعربيا في شهر، ويكتب فيها نخبة من أهم كتاب الساحة الثقافية محليا وعربيا، إلى جانب مساحة للنقد، الذي يشمل الإبداع الأدبي والفني في كل حقوله، والتحقيقات، والحوارات، إلى جانب نشر النصوص الشعرية والقصصية، والدراسات والبحوث والترجمات،.
إضافة إلى متابعة الجديد من الإصدارات الأدبية وتسليط الضوء عليها، ولم تتخل «دبي الثقافية» عن أهم باب على مر عقود الصحافة العربية عامة، والثقافية خاصة؛ ألا وهو «بريد القراء»، والاعتناء بنشر مساهماتهم الواعدة؛ التي ستضع الموهوبين منهم؛ على بداية طريق الإبداع.
وتنضم إلى الساحة؛ مجلة «آفاق ثقافية» وهي شهرية تصدر للعام الثاني عن مجلس دبي الثقافي، لتكمل منظومة المطبوع الثقافي الهادف، حيث تهتم برصد شامل لفعاليات المشهد الثقافي،.
ونشر الفعاليات المتنوعة في دبي خاصة، ثم باقي إمارات الدولة. وما يميز هذه المطبوعة أنها توزع مجانا؛ كما أن نصفها يصدر باللغة العربية والنصف الآخر باللغة الانجليزية.
كتبت فاطمة محمد الهديدي: